عاشا في الحي والمسكن ذاتهما، طفلان صغيران يمارسان هواياتهما بشكل يومي، وما يتخللها من فرحة العروس والعريس إلى أن بلغا سن الرشد حينها تقدم والد العريس من أخيه طالبا يد كريمته لابنه فتمت مباركة الزفاف. وشاء القدر أن ينتقل للعيش في دولة أخرى حيث بدأ الزوج العمل في بعض الأعمال التجارية إلى أن أصبح يمتلك شركة مرموقة في مجال التأمين وأن ينجبا ستة من الأبناء؛ أربع فتيات تزوجن وشابين لا يزالا على مقاعد الدراسة.

ظروف العيش أجبرت الزوج على تسفير زوجته مع أبنائها لعدم مقدرته على مواجهة غلاء المعيشة وتكاليف الحياة اليومية ولتراجع إيرادات الشركة وكذلك عدم القدرة على مواجهة بعض الخسائر بفعل استثماراته ببعض الأسهم والسندات وتحمل الرجل من هذا الفراق ثلاثة أعوام حاله حال الكثيرين ممن اضطرتهم ظروف المعيشة لتسفير أسرهم ، لكن السكرتيرة في العمل ونظراً لما تمتلكه من مقومات الجمال استطاعت أن تحتل مكانة من قلب المدير الذي تجاوز الستين من العمر بل تفوق ما احتلته صديقة الطفولة والزوجة الوفية عبر رحلة امتدت ثلاثين عاما أنجبت خلالها ستة من الأبناء ولديها من الأحفاد من بناتها ما يزيد على ستة أحفاد.

علمت الزوجة «ابنه العم» بزواج زوجها من السكرتيرة الفاتنة فطلبت الطلاق دون رجعة وكان لها ما أرادت ومنذ تلك اللحظة بدأ الرجل يعيش عزلة الأسرة الأولى حتى قاطعه الأبناء «متضامنين مع أمهم» وانتقل الحال إلى مقاطعة أزواج البنات وأطفالهم للجد تضامنا مع جدتهم ولم يبق له سوى زوجته الثانية «سكرتيرته» وطفليهما الأول ذكر يبلغ من العمر عامين وطفلة تبلغ من العمر عاما واحد حتى أطلق الرجل على نفسه اسم ابنه من الزوجة الثانية متناسيا ما حمل من اسم لابنه البكر من الزوجة الأولى لمدة تزيد على الثلاثين عاما ولم يبق في ذاكرته من زواجه الأول وما أنجب من أبناء وبنات سوى ذكريات الحسرة جلبها لنفسه علها تكون عبرة لكل من يعتبر ولم يجد عوضاً وتسلية سوى ما تمنحه له زوجته الثانية من حب بعدما تربعت على قلبه وقهرت قلب زوجته الأولى، ولم تكتف بذلك بل «كوشت» على كل ما يملك من مال وأصبحت مقاليد الحكم لها وحدها حيث تحولت إلى مديرة تنفيذية تدير ما ادخره من أموال وما يمتلكه من سنوات خبرة.

وأصبح الرجل يعاني من الأمراض بينها السكري والضغط ومتاعب في القلب ويخضع بين فترة وأخرى لإجراء عمليات جراحية وعلاجات كان آخرها عملية قلب مفتوح.

وأكثر ما كان يؤلمه تخلي أهله وأقاربه عنه وعدم سؤالهم عنه وهو في محنته ومرضه وأعطته الظروف التي يعيشها درساً قاسياً وعبرة خاصة لأولئك الذين لا يدركون قيمة العلاقة بين أفراد الأسرة وتحديداً بين الأب وأبنائه وبناته خاصة عندما يجدونه يقدر الأم ويغدق عليها من عطفه وحنانه.

إبراهيم السطري