وضحة فتاة لوحت وجنتيها الشمس، فأخذت منها حمرة الوجنتين، لا تعرف من الماكياج سوى مرود الكحلة ومشط من العظم والحنة وإسورة من فضة وجديلتي شعر اسود تتأرجحان على كتفيها.. لها من أبناء العمومة حمدان وخلف، حمدان يعمل سائقاً على التركتور، يحرث الأرض وينقل صبيان القرية إلى الحقول.

خلف.. يتهرب من العمل بالأرض، ليس لديه جلد على ذلك، يحمل تحت إبطه كتابا تآكلت أطرافه، سألت وضحة خلف عن كتابه فقال لها إنه كتاب يتحدث عن الحرية والديمقراطية والاشتراكية، إنه الكتاب المقرر في الثانوية، هزت برأسها وقالت : «حرية وعرفناها، بس شنو يعني ديمقراطية واشتراكية»، وهي تهش بعصاها غنمها وتضرب في المنجل سنابل القمح التي حان وقت حصادها وقد انحنت رؤوسها المليئة تواضعاً. والد وضحة وعمها كانا قررا منذ أن ولدت أنها ستكون من نصيب خلف، قانون العشيرة يقول بنت العم لابن العم.

تناقل أهل القرية خبراً مفاده أن خلف نجح في الثانوية العامة، داعبت وضحه خصلات شعرها المتدلية على وجهها، ستكون زوجة أول شاب في القرية يحصل على الثانوية وباركت بنات القرية لوضحة وحسدنها على المستقبل الذي ينتظرها، في اليوم التالي غادر خلف إلى العاصمة وغاب عدة أيام ثم عاد يحمل قرار إيفاده ببعثة دراسية، اضطرب قلب وضحة، لطمت خدها انحرف مرود الكحلة في جفنها طرف عينها وسالت دموع غزيرة، خلف أخذته فرحة البعثة، فيما وضحة قضت عدة أسابيع تساهر الليل تعد النجوم، خبأت في صدرها منديلاً أهداه لها خلف خفية، في يوم السفر جلست على ناصية الطريق الترابي وجلس خلف فوق التركتور.

وقد ضم إلى صدره حقيبته بحرص شديد وكم تمنت أن تكون هي بدل الحقيبة، رفعت يديها ملوحة تودعه دون كلام وصوت التركتور غطى على صوت نبضات قلبها المتسارعة، مرت الأيام تعدها ساعة بساعة، تمد يدها إلى صدرها تتلمس المنديل، وبعد سنوات عاد خلف يحمل شهادة دكتوراه، نحرت الذبائح تحتفل بالدكتور والشباب يستمعون لقصص وحكايات الدكتور وأكثرهم لم يتجاوز الصف السادس وخلف أصبح دكتوراً.

سأل أبو خلف ابنه عن موعد افتتاح العيادة، فقال له خلف إنه لن يفتح عيادة فهو دكتور فلسفة وجلس يشرح له ما معنى فلسفة، فرد عليه «يعني سوالف وكلام فاضي، ياحيف وياحسافة على التعب..!»

في اليوم الثاني طلب أبو خلف أن يذهب معه إلى دار عمه لطلب يد وضحة، فالبنت كبرت ولا يجوز أن نجعلها تنتظر أكثر، تململ خلف محاولاً تأجيل الموضوع لكن أبا خلف حمل عصاه وقال توكلنا على الله ما يجوز نتأخر.

دارت دلة القهوة على الضيوف ووصل الدور إلى أبي خلف وقف أمام رجال عشيرته وقال: نحن جئنا لطلب يد وضحة لابني خلف، رد والدها: هذه ساعة مباركة ومتى ستفتح العيادة يا دكتور؟ بلع ريقه وتلعثم لسانه وتأتأ ببعض الكلمات، تدخل أبو خلف وقال: يا جماعة الخير خلف مو دكتور طب، خلف دكتور فلسفة، استجمع خلف قواه وبدأ يشرح لهم معنى دكتوراه في الفلسفة فيما أبو وضحة واقف ممسكاً بفنجان القهوة يهزه تارة ذات اليمن وتارة نحو الشمال وقال :«يعني كلام فاضي وما يطعم خبز»، نادى على حمدان وقال: «أشهدوا يا الربع أنا موافق على تزويج وضحة لابن أخي حمدان سواق التركتور بدل خلف الدكتور، لطمت وضحة على خديها وعضت على شفتيها وأخرجت المنديل من صدرها وقالت: «والله قلبي حساس من زمان، انه بياع كلام».

تزوجت وضحة من حمدان وأنجبت الأولاد والبنات، وتاه خلف وسط زحام العاصمة يتلطى خلف لقب دكتور، وحمدان يخرج في الصباح يحمل صبايا القرية إلى الحقول ووضحه تغني لهن «عا الهودلك ..يمه عا الهوداليه والعشق من الله وأنا شبيديا»، ويرد عليها حمدان: «ياويل ويلي من البنات أكثر عذابي من البنات، ياخديدهم سكر نبات، الله يعين المبتلية» وتصدح في الهواء الطلق الضحكات ليبدأ يوم جديد من أجل أن تستمر الحياة.

داوود محمد