حضر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة مساء أمس بقصره في البطين محاضرة حول «المسلم الايجابي» ألقاها فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة مفتتحا بذلك سلسلة الأمسيات الفكرية التي يستضيفها المجلس الرمضاني لسموه.

حضر المحاضرة..الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية وسمو الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان رئيس دائرة المالية ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي ومعالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير الأشغال العامة والعميد الركن الدكتور الشيخ سعيد بن محمد آل نهيان نائب المفتش العام بوزارة الداخلية والدكتور مانع سعيد العتيبة. كما حضرها عدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين في مختلف الوزارات والدوائر الحكومية، هذه المحاضرة التي تعد أولى محاضرات الشهر الفضيل لهذا العام.

وبدأ فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة المحاضرة بالإشارة إلى اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالمواقف الايجابية والأخلاق النبيلة التي كان يتمتع بها غير المسلمين في عصره وإشادته بها ودعوته إلى الأخذ بها مع التأكيد على ان من الضروري ان يقتدي المسلم بالعمل الايجابي من أي جهة أتى بل ويبادر إلى ذلك.

وضرب المحاضر أمثلة عديدة على هذه المواقف الايجابية والأخلاق الكريمة مثل حلف الفضول الذي اهتم بنصرة المظلومين والفقراء وبسماحة وعدالة النجاشي ملك الحبشة ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الهجرة لبلده وكذلك إشادته بورقة بن نوفل ولغيره من الأشخاص والقبائل والمواقع والأعمال التي تؤكد ان الإسلام يعمل على تعزيز القيم الايجابية لدى الفرد المسلم.

وأكد المحاضر ان على المسلمين اليوم في عصر العولمة التواصل وعدم الانقطاع عما يجري في العالم..مشيرا إلى ان المسلمين في المدينة كانوا يتعايشون مع اليهود والمنافقين والوثنيين وان الرسول صلى الله عليه وسلم مشى في جنازة اليهودي احتراما لبشريته كإنسان انطلاقا من الآية الكريمة «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ».

وقال إن الإسلام زكى مثل هذه القيم والعلاقات والمعاني الإنسانية باعتبارها تفاعلات ايجابية وأعطى لها ثواب الدنيا والآخرة ولذلك فان من الضروري ان يتربى المسلم على هذه الأخلاق الفاضلة لتغيير الواقع الذي يعيشه اليوم.

ثم انتقل بعد ذلك إلى تعريف الايجابية مشيرا إلى أنها التعبير عن الوجه الجميل للحياة ومحاولة تفسيرها على أنها جميلة بالانجاز والحب والإيمان.. وذكر في هذا المعنى بعض الأحاديث النبوية مثل «ان الله جميل يحب الجمال» ومثل «خيركم من طال عمره وحسن عمله». وأكد ان التفاؤل مقصد من مقاصد الرسالة النبوية.

كما ان التعاطي مع الحياة وزينتها وما فيها من ثمرات مطلب شرعي بينما النظرة التشاؤمية للحياة سجن صغير يحبس الإنسان نفسه فيه مدللا في ذلك بالعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وكذلك بعض الأمثلة عن الأعمال السلبية في ظاهرها والايجابية في نهايتها.

وأشار في هذا الجانب إلى أهمية الصبر على مصائب الدنيا والدين وكذلك التوبة باعتبارهما من القيم الايجابية الهامة..مشيرا إلى قصة غواية آدم وهدايته وقصة الثلاثة الذين أزاح الله عنهم باب المغارة ليخرجوا منها.

وأكد ان الأمر الثاني أو الحكمة في هذه الايجابية هي الإيمان بالله وبما خلق وبان الإنسان الايجابي يحدد مسؤوليته في الحياة بينما الإنسان السلبي يحدد مسؤولية غيره وينسج أوهاما عن مؤامرات تحاك ضده أو ضد مجتمعه..ودعا في هذا الصدد إلى ضرورة تغيير أنماط التفكير للتغلب على التخلف والخروج من رقبته وعدم الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الآخرين.

وشدد على ان المسلمين ليسوا ضحايا الآخرين وان عليهم تبعة القيام بالعمل والتقدم والنمو والاستفادة من التكنولوجيا ووسائط الاتصال الحديثة بمسؤولية وايجابية شديدة بما يسهم في التغيير وقهر التخلف..مشيرا إلى ان التكنولوجيا غنيمة للمسلمين يجب الاستفادة منها كي يلحقوا بركب التقدم بعدما تبدل الحال عما كان عليه في العصور الوسطى.

وأشار إلى الجانب الثالث في موضوع المحاضرة وهو الإيمان والثقة بالنفس وقدراتها..موضحا ان الايجابية هي الإيمان بالذات خاصة وان الله تعالى وصف الإنسان بأنه خليفته في الأرض كما بين المجال الايجابي الذي أوجده من اجله وليس سفك الدماء كما رأت الملائكة.

وأكد المحاضر في هذا الخصوص ان الطاقة الهائلة في الإنسان يصعب حصرها..مشيرا إلى حديث الرسول «كل معروف صدقة» الذي يعني ان لدى الإنسان أشياء كثيرة يمكن ان يقدمها للناس ولنفسه كالصدقة والابتسامة وإماطة الأذى عن الطريق وكف الأذى والتسبيح والتهليل.

كما أشار إلى الجانب الرابع وهو الإيمان بالآخرين مشيرا إلى ان الله خلق الناس وأرزاقهم حيث ان الأرض مليئة بالفرص للجميع وعليه فلا داعي للخوف من ضياع الرزق أو من الحسد كما ان على الإنسان أيضاً الصبر على أذى الآخرين بنص الحديث «الْمُؤْمِنُ الذي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خير مِنَ الذي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذاهُمْ» وكذلك المحافظة على الأرض من التلوث والاحتباس الحراري بسبب سوء استخدام الثروات الطبيعية مشددا أيضاً على عدم اختصار الناس في موقف واحد ضاربا في ذلك عديد الأمثلة من الآيات والأحاديث النبوية.

ودعا المحاضر إلى التغاضي عن الماضي أو ما اسماه «مسح الأرشيف» وان تكون النفوس مفتوحة على بعضها مشيرا إلى موقف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عرض عليه سيدنا جبريل عليه السلام ان يطبق على قومه جبلي الأخشبين لكثرة آذاهم له الا انه صلى الله عليه وسلم رفض ذلك لإيمانه بالجوانب الايجابية في قومه حيث دعا إلى ان يخرج الله من أصلابهم من ينشر الدين الإسلامي. وذكر المحاضر بعض الأمثلة الأخرى مثل تعامل الرسول الأخلاقي مع كبير المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول حيث عاده وهو مريض رغم موقفه السلبي منه ومن الإسلام والمسلمين.

وختم فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة بالجزء الخامس وهو التفاؤل في مواجهة المتغيرات مشيرا إلى ضرورة عدم الاستسلام للانفعالات والتحولات الجسدية والعاطفية والاجتماعية والثقافية كالغضب والاكتئاب والمرض..وقال إن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان خير مثال في عصرنا على هذا المعنى الجميل وهو التفاؤل أمام الشدائد.

كما رد على الأسئلة والاستفسارات حول موضوع المحاضرة التي قدم لها الدكتور نجيب عبد الوهاب الاستاذ بكلية القانون بجامعة الإمارات الذي أشار إلى ان المحاضر من الداعين إلى توحيد الأمتين العربية والإسلامية والى توثيق العلاقة بين الراعي والرعية.