كم أشتاق إلى العيد بين أهلي، وكم أتمنى أن أستعيد تلك الأمسيات التي كانت تسهر فيها أمي لتكمل تجهيزات العيد وحلوياته، ولتخضب أيدينا بالحناء فلا يمر العيد من دون حناء وحلوى وملابس جديدة وعيدية، لقد مرت سنوات طويلة وأنا أعيد وحدي، وليس لي أنيس سوى الهاتف الذي يصلني بأحبتي، هل تعتقدين أن ما نحصل عليه يستحق تلك الغربة؟
ـ أنت تنكئين جراحي أيتها العزيزة، ولكن نعم ما ندفعه من ثمن له مقابل مجز، فقد استطعت أن تجعلي إخوتك يدرسون في أفضل الجامعات، وقد كفت أمك عن العمل خياطة حيث كادت أن تفقد بصرها بسبب التعب والإرهاق، ومثلك فعلت ساعدت الصغير والكبير ليتجاوزوا خط الفقر الذي عشناه معهم، نعم غربتنا ليست بلا ثمن؟
ـ لكني كلما فكرت بالعيد أشتاق لأمي، وكلما فكرت برمضان أشتاق لجلسات الأسرة، ولمة الأحباب، ودعاء أبي على مائدة الإفطار.
منذ كم سنة لم تذهبي إلى أهلك في رمضان؟
منذ خمس سنوات، فلم تكن إجازتي تتوافق مع رمضان، خاصة أن زملائي يتسابقون للحصول على إجازاتهم، فاختار أي وقت لا أحد يرغب فيه الخروج بإجازة.
لماذا لا تحصلين على إجازة لعشرة أيام تقضين فيها أواخر رمضان والعيد مع أهلك؟
ـ وهل تعتقدين أن مديري سيوافق؟
ـ حاولي لن تخسري شيئا؟
عادت من مكتب المدير وهي تكاد تطير من الفرح، بادرتها صديقتها وزميلتها في السكن والعمل بقولها: يبدو أن الأمور تمام، هل وافق على الإجازة؟
ـ نعم ولكن لدي عمل كثير أقوم به، فقد طلب مني أن أجهز عمل الإجازة مسبقا لذا لابد من أن أحمل معي ملفاتي إلى المنزل.
ـ إذن سأساعدك في هذا الأمر، ولكن عليك أن تحجزي تذكرة الطائرة منذ الآن فليس لديك وقت لتضيعيه.
ـ نعم وعلي أن أشتري هدايا العيد فهذا أول عيد أحضره منذ سفري.
ـ إذن أحضري ورقة وقلما، ولنكتب خطوات العمل.
دخلت دوامة العمل المرعبة التي لا تنتهي الا قبل ساعة الإفطار بوقت قليل، وبعد التراويح أمامها قائمة طويلة من المشتريات، أتت على نصف الميزانية، تضمنت هدايا العيد وخاصة ملابس الأطفال وفساتين الفتيات واكسسواراتهن التي كانت تبعث الفرح في قلب الصديقتين وكأنها قطع خاصة بهن وليست هدايا العيد لصغيرات ينتظرن العمة أو الخالة المسافرة.
ـ اليوم أكمل آخر مشترياتي ولم يبق سوى ليلتين على السفر، لقد أنهيت كل شيء فما رأيك بهذا الانجاز؟
ـ انه انجاز جيد، ولكنك نسيت شيئا مهما جدا؟
ـ ماذا ؟ لقد دونت كل شيء ونفذته كما هو، فما الذي فاتني؟
ـ فاتك أن تشتري لنفسك يا صديقتي، هل ستذهبين إلى أهلك لتعيدي بملابس العمل هذه، ألا تعرفين أن الأقارب والأصدقاء يتزاورون في الأعياد وسينظرون إليك وأنت القادمة من السفر كيف تبدين وماذا ترتدين، ولابد من تخصيص اليومين الباقيين لشراء ما تحتاجين ولتحسين نفسك فأنت تبدين متعبة جدا، وهذا أمر لا يفرح أهل.
ـ نعم ما تقولينه حقيقة لكن فرحتي بالسفر والانشغال الشديد أنسياني نفسي، لكن أمامي مشكلة الآن.
ـ ما هي ؟
ـ ميزانيتي لا تسمح لي بشراء شيء آخر.
ـ سأقرضك مبلغا تشترين به ما تحتاجين، فالعيد لا يأتي كل يوم خاصة مع الأهل.
ـ شكرا يا حبيتي فأنت هنا أختي التي أتمناها، سأفتقدك أيام العيد.
جهزت كل شيء، اشترت ملابس جميلة للعيد وتذكرت أن تحمل مسبحة ثمينة لوالدها، وسوارا لأمها، واتصلت بهم ليلة سفرها لتفاجئهم بالخبر، فبكت أمها من الفرح وشعرت بسعادتهم بمجيئها.
وما أن خرجت من المطار حتى وجدت والدها وأخوتها جميعا بانتظارها، فهم مثلها يفتقدون وجودها معهم في رمضان والعيد.
دلال جويد
