دون أن يكلف نفسه عناء معرفة هوية من صدمه بسيارته، وكمن اعتاد على عدم رفع ناظريه عن الأرض بوجوه الآخرين، اتكأ على الأرض المنقطة باللونين الأحمر والبني بفعل حبات الطماطم والبصل التي تناثرت عقب سقوط أكياسها من يديه وهو يهوي أرضاً.

ونهض بتثاقل مغمغماً بكلمات غير مفهومة أقرب الى الاعتذار منها الى الاحتجاج على الطرف الآخر الذي كان في الواقع من تسبب بالحادث عندما وطأ بعجلات سيارته الرصيف الذي كان يقف «راضي» عليه منتظراً عودة ولده الصغير من الحمام العمومي القريب الذي دخل إليه عقب جولة طويلة مع والده في سوق الخضار تمهيداً لاستقبال شهر رمضان الذي يحمل.

بالإضافة إلى الخير الكثير، المزيد من الهموم المعيشية - كما قال لزوجته قبل أيام عندما أطل عليهم من جهاز التلفزيون ذاك الطاهي السمين مبشراً إياهم بالعديد من الأطباق الدسمة الشهية التي سيقدمها لهم خلال الشهر الفضيل-.

«راضي» الذي باشر فوراً بجمع حبات الطماطم والبصل المتناثرة اكتفى بهز رأسه دلالة الموافقة على كلمات التأنيب التي كان يمطره بها سائق السيارة المتسببة بالحادث محملاً إياه المسؤولية عما حصل، إلا أنه توقف عن هز رأسه لدى مشاهدته ولده الصغير يقف في المكان متابعاً فصول ما يجري وتشاغل عن نظراته الدامعة التي انكسر فيها شيء ما وهو يراه يتلقى الإهانة من احدهم بمتابعة التقاط ما تناثر منه.

الصمت وحده بينهما كان يغلف طريق العودة إلى البيت ما خلا النشيج المكتوم الذي كان كل منهما يغالب عدم وصوله لسمع للآخر، راضي تعامى عن مشهد الحوار الذي كان يجري على مقربة بين ولده وزوجته حول تفاصيل ما حدث كما ظن لأن الابن قال لأمه خلال إحدى مراحل الحديث: «لقد كان موقفه مخجلاً».

كما شغل نفسه عن الحديث الذي كان دائراً بين زوجته وشقيقها حول الموضوع نفسه كما اعتقد لحظتها لأنها علقت على جزء من كلامه بقولها: «لقد جلب العار لنا»، ورغم الدهشة التي أصابته من اتساع رقعة الاحتجاج على تصرفه خلال حادثة الصباح وذلك عندما سمع جاريه أبا محمد ومسعود اللذين اعتادا يومياً على الجلوس مساءً أمام دكان الحي يتهامسان حول سلوك مشين ارتكبه احدهم.

رغم دهشته إلا أنه تجاهل هذه التلميحات وتناول علبة السردين والبيضات الأربع بعد أن وضع ثمنهما المعلوم على الطاولة وانسحب بهدوء كمن لم يسمع شيئاً.. الأجواء المتواطئة من حوله دفعته لاعتزال الجميع وادعاء الشعور بالإعياء والحاجة الى النوم..

ألا ترى معي أن الخضروات التي تبيعها اليوم غير جيدة؟

ـ إذا لم تعجبك فارحل من هنا.. رد صاحب المحل على «راضي» بعصبية ظاهرة.

ـ لن أرحل، وستقوم بإخراج الخضروات التي تخبئها في الداخل لخاصتك ومن يدفعون البقشيش .

وانهال «راضي» على صاحب المحل باللكمات المفاجئة وسط ترحيب الجميع عندما رفض إخراج الجيد من خضرواته للعموم ولم يتوقف إلا عندما هزته يد زوجته بإلحاح طالبة منه النهوض من النوم والاستعداد للانضمام لوالدها وأشقائها الذين سيذهبون للخطبة لشقيقها الأصغر من ابنة الجيران التي اكتشفت أسرتها وجود علاقة تجمعها به.

الزوجة أكدت عليه ضرورة شراء نصف كيلو من القهوة من دكان الحي قبل ذهابه مع الوفد، تأكيد أبي محمد لمسعود خلال جلوسهما أمام الدكان مع عبور راضي لعتبتها أن الذهاب لخطبة الفتاة يمثل المخرج السليم من السلوك المشين دفعه للابتسام بخجل والمغادرة بسرعة متأبطاً طلبه..

«راضي» واصل وضع حبات الطماطم في الكيس البلاستيكي دون أن يلتفت لصرخات الاحتجاج الصادرة عن بعض الزبائن بوجه صاحب المحل متهمة إياه بالكيل بمكيالين في منح الخضار الجيد للبعض من أصحاب البقشيش والاكتفاء بوضع الغث منها في متناولهم، ولم يكترث لنظرات الإعجاب التي كان ولده يرسلها نحو أحدهم الذي أجبر صاحب الدكان على وضع ما يخبئه في الداخل لعموم الزبائن.

خالد اللوباني