يعيش الصحفي والمثقف هم القراءة والكتابة، تراه يصرف ما في الجيب وما في الغيب لشراء الكتب والصحف والمجلات، غذاء للروح على حساب غذاء الجسد، بالأمس أهداني أحد الزملاء كتاباً هو باكورة إنتاجه الفكري، فعادت بي الذاكرة لسنوات خلت أيام كنا نذهب للمكتبات لاستعارة الكتب، تلك العادة الحميدة التي تعلمناها في مدارسنا يوم كانت للمكتبة المدرسية أهمية وقيمة تربوية وتعليمية، قبل أن تتحول إلى مخازن ومستودعات وفي بعض المنازل إلى مجرد ديكورات وبعد أن نافست شبكة الإنترنت ومواقع غوغل الكتاب.
تذكرت موقفاً حدث لي مع مدرسي للغة العربية والذي له فضل كبير بتشجيعي على القراءة والكتابة عندما لاحظ تميزاً في مواضيع الإنشاء، طلب منا ذات يوم أن يكتب كل طالب موضوعاً عن شخصية محببة لديه في حارته أو من أقاربه، وكتبت يومها موضوعاً تحت عنوان - أبو عبيدو- وهو رجل طاعن في السن فقد ساقه في حرب يونيو (حزيران) سيئة الذكر ولم يرزق بأطفال، وكان يجمع حوله أطفال الحارة ويروي لهم القصص والحكايات من بنات أفكاره.
وبعد أن تلوت القصة أمام الطلاب، أعجب أستاذي بالموضوع وأبقى الدفتر لديه حتى يضع لي الدرجة التي أستحقها بعد أن أثنى على القصة، ثم طلب من زميل آخر أن يقرأ موضوعه، وكان هذا الزميل يحمل اسما دمشقياً متميزا من موروث الأسماء التركية، ومازال عنوان الموضوع الذي كتبه أذكره حتى الآن «الكمسري» وهي كلمة فرنسية تعني الرجل الذي يقوم بتحصل أجرة «الترمواي» عندما كان الترين يقطع شوارع دمشق من ساحة المرجة إلى الصالحية في سالف الزمان.
استطرد صاحبنا في قراءة الموضوع والأستاذ يستمع بإنصات يبتسم تارة ويكفهر وجهه تارات، وملامحه تتلون حسب تلون مجريات القصة وبعض المواقف والتفاصيل وأخذ يتجول بين المقاعد يصحح كلمة هنا وخطأ نحوياً هناك إلى أن أنهى زميلنا القصة، اقترب الأستاذ من صاحبنا وأخذ الدفتر منه وصفعه على قفى رقبته - طيارة - تردد صداها وسط الصف وقال له: قل لأبيك أن يتأدب، لم ندرك حينها ماذا يعني وأخذ الأستاذ الدفاتر على أمل أن يعيدها لنا مزينة بالدرجة التي نستحقها مصحوبة بجملته الشهيرة، بارك الله بك وإلى الأمام، مضت بنا السنوات وتفرق شمل الزملاء ولم تعد الدفاتر.
إلى أن شاهدت يوماً مسلسلاً في التلفزيون تتناول أحداثه نفس قصة زملينا وقد تقمص الممثل نفس شخصية الأستاذ الذي بات في منصب مرموق، ربطت بين اسم الممثل واسم الطالب وموضوع القصة ومكان أحداثها، قفزت إلى ذهني أحداث القصة حيث أجريت مقابلة تلفزيونية مع نجوم المسلسل وبطلها الذي كتب القصة وأخرجها وعندما سئل عن تقمصه شخصية الأستاذ الذي بات معروفاّ ومشهوراً نفى أنه تقمص الشخصية.
على الفور اتصلت بالمحطة التي تبث البرنامج وتم ربطي بالاستديو ورويت لمقدم البرنامج القصة بتفاصيلها بعد أن عرفت أن زميلي صاحب القصة هو ابن ذلك الممثل الذي ينتمي للمنطقة نفسها التي ينتمي إليها الأستاذ وربما كان من أبناء حارته فصمت الممثل بعد أن ذكرته باسم ابنه زميلي في الدراسة ورويت الأحداث، عندها سألني وما هو مصير قصتك - أبو عبيدو- ..!!؟
قلت له نسيتها، قال: اذهب وابحث عنها في المجموعة القصصية لأستاذك التي صدرت منذ سنوات، عندها تذكرت عندما غادرت الوطن أنني كنت قد استعرت من مكتبة الوزارة التي أعمل فيها مجموعة من الكتب ولم أعدها نظراً للسفر المفاجئ حينذاك، سطر الموظف المسؤول كتاباً للمدير يتهمني بسرقة الكتب وضرورة تغريمي بثمنها، فكتب المدير حاشية على المذكرة تقول: بارك الله بمن يسرق الكتب ليقرأ، أما من يسرق الأفكار فيقطع لسانه ويشوى على النار، ومازلت أحتفظ بتلك الحاشية للذكرى، وأقرأ الفاتحة على روح أبو عبيدو الذي سمعت منه أحلى القصص وأجمل الحكايات.
داوود محمد
