المسلم التقي يمتلك نفساً آمنة مطمئنة تريد الخير لكل الناس وتنأى عن كل ما يبعدها عن منهج الله، لذا تراه يحب الآخرين ويسعى في مصالحهم، وإذا بدر منهم ما يعكر صفو تلك العلاقة يعفو ويصفح ويتسامح ويبتعد عن الخصام والجدال وبغض الآخرين.
والمسلم الحكيم لو تعرضت علاقته الطيبة بمن يحب سواء في البيت أو العمل أو من جانب الأقارب، لو تعرضت علاقته الطيبة لبعض الهزات نتيجة القيل والقال، عليه أن يصبر ويتحلى بالخلق الطيب.
فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر.
ومن أقوى الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة وتحقير آراء الآخرين، فهذا عين التدابر والتقاطع، فإن التقاطع يقع أولاً بالآراء ثم بالأقوال ثم بالأبدان.
روي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» رواه مالك والبخاري وأبوداود والترمذي والنسائي، ورواه مسلم مختصراً والطبراني وزاد فيه: يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهم الذي يبدأ بالسلام، والذي يبدأ بالسلام يسبق إلى الجنة.
قال مالك: ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن المسلم، يدبر عنه بوجهه.
ومعنى وكونوا عباد الله إخواناً: أن تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال.
وعندما يحدث التدابر في الأسرة، تجد الزوجة تلعب دوراً في ذلك، إذا كانت لم تتق الله في بيتها وفي زوجها وفي أولادها، فقد تزكي نار العداوة بين زوجها وأقاربه أو أقاربها إما عن جهل أو لتحقيق شيء في نفسها، وهي بذلك تعرض نفسها لغضب الله وينبغي أن ترجع إلى صوابها وتعمل على زرع الحب بين زوجها وأقاربه وكل من يتعامل معهم حتى يكون عملها مقبولاً بإذن الله ويرضى عنها الجميع.
روي عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طوبى لمن ملك لسانه وَوَسِعَهُ بيته وبكى على خطيئته. رواه الطبراني في الأوسط والصغير وإسناده حسن.
والمسلم الحكيم هو الذي لا يظلم الآخرين نتيجة سوء الظن وعليه أن يلتمس لهم الأعذار ويعفوا عن هناتهم، فالظلم ظلمات يوم القيامة كما جاء في الحديث.
ولله در القائل:
لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم
قال بعض السلف: لا تظلم الضعفاء فتكون من شرار الأشقياء ومن حق الإخوة التناصر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا نتقمنّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمنّ ممن رأى مظلوماً يقدر على أن ينصره فلم يفعل. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي: السبب المؤدي إلى الهجران بين المسلمين ثلاثة أشياء: إما وجود الزلة من أخيه ولا محالة يزل، فلا يغضى عنها ولا يطلب لها ضدها، وإبلاغ واشٍ يقدح فيه، ومشي عاذل بثلب له فيقبله ولا يطلب لتكذيبه سبباً ولا لأخيه عذراً، وورود ملل يدخل على أحدهما، فإن الملالة تورث القطع ولا يكون لملول صديق.لذا نجد بعض الأدباء يقول: لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك ويستر عيبك فيكون معك في النوائب ويؤثرك بالرغائب وينشر حسنتك ويطوي سيئتك.
وحقوق الصحبة جمعها علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاة، فقال: يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال فاصحب من إذا خدمته صانك وإن صحبته زانك وإن قعدت بك مؤنة مالك، اصطحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإذا رأى منك حسنة عدّها، وإن رأى منك سيئة سدها، اصحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتلاك، وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صَدَّق قولك، وإن حاولتما أمراً أمّرك، وإن تنازعتما آثرك.
حامد واكد
