نوبة من الصراخ بدأها أحمد ذو الخمس سنوات هذه المرة منذ الصباح الباكر ...إنها المسرحية التي يمثلها كلما شعر بالملل وأراد لفت الانتباه وبدأ يفرك عينيه محاولاً أن يذرف أي دمعة وعندما لم يستطع بدأ يشد شعره ويرمي كل ما تصل إليه يداه من خزفيات في المنزل دون اكتراث.

ثم راح يتبعثر بالتراب خارج المنزل ويقتلع أشجار الزينة... والخادمة تركض خلفه في محاولة لتهدئته وتسأله بلكنة عربية ركيكة أنت شو يريد؟ لكنه لا يجيب ويبدأ بالصراخ على الخادمة وشتمها وضربها وهي تدفعه عنها خائفة أن يصل صراخه إلى مسامع الأم التي ما زالت تغط في نوم عميق.

وحدث ما كانت تخشاه الخادمة .. عندما رأت الأم تقف أمامها بعصبية وتسألها وفي نظراتها الكثير من الشكوك .. ماذا فعلت بالولد ؟ لماذا يصرخ؟ والخادمة جامدة مكانها لا تعرف بماذا تجيب .. ثم تحول نظر الأم إلى ولدها وبدأت تتفحص جسده علها تجد أي آثار لضربات ربما أحدثتها الخادمة لولدها .. فخاب ظنها عندما لم تجد شيئاً وسألت الصغير بشيء من الحنان ... ما بك هل ضربك أحد؟

لكن احمد تمادى في الصراخ وحول شتائمه إلى الأم التي كانت في حيرة من أمرها ... إلى ان قال أريد شوكولاته ... هنا أشارت الأم الى الخادمة بإصبعها لإحضار مكعبات الشوكولاته الى احمد ... فقالت الخادمة: «لكن انت يقول لازم اول افطار بعدين ياكل شوكولا».

قالت الأم وفي نبرة صوتها ازدراء للخادمة: لا يهم ماذا قلت سابقا اذهبي الان بسرعة وأحضري الشوكولاته له حتى نرتاح من صراخه.

أسرعت الخادمة الى المطبخ وأحضرت مكعبات الشوكولاته الى احمد الذي بدأ يتناولها بنهم كوحش بري ويمسح ثيابه ببقايا الشوكولاته ويرمي بالأوراق في كل أرجاء المنزل والفرحة ترتسم على وجهه.

لحظات مرت عمّ فيها السكون أرجاء المنزل لكن نوبة الصراخ عادت من جديد ... هذه المرة كان الصراخ يرافقه العويل والقفز وركل الخادمة وشتمها إلى أن جاءت الأم تسأله ماذا تريد؟ فأجاب كوكا كولا ... أحضرت الخادمة الكوكا كولا التي شربها الصغير دفعة واحدة ثم عاد للصراخ وركض باتجاه غرفته وفتح باب الخزانة وراح يقذف بالملابس في كل اتجاه .. وهو يصرخ ..أريد الذهاب الى السوق ... اريد ان اشتري لعبة ...

فتجيب الأم ... لماذا يا احمد انظر الى غرفتك انها مليئة بالألعاب وكلها جديدة .. لكن الصغير يعاود الصراخ مجددا دون ان يسمع اي كلمة من كلام والدته. أسرعت الام الى الخادمة تطلب منها إخبار السائق بتجهيز السيارة .. استقلت الام والخادمة واحمد يسبقهما السيارة واتجهوا الى السوق وفي الطريق كان احمد يشغل الكاسيت ويضع اغاني أجنبية ويرقص على أنغامها ويخرج رأسه من النافذة ويبصق على كل ما تقع عليه عيناه والأم مشغولة بهاتفها الخلوي تحدث صديقاتها عن الحفلة التي ستقيمها لأحمد بمناسبة بلوغه عيد ميلاده بعد أٍسبوع.

جلس أحمد بجانب السائق يمارس هواياته العدوانية ولكن هذه المرة على السائق الذي احمرت عيناه وكان جل ما يتمناه انه يتولى حكم هذا الصغير ليوم واحد ليريه كافة أًصناف العذاب. كان أحمد اول من هبط من السيارة يسبق والدته والخادمة باتجاه محل الألعاب وبدأ بإصدار أوامره الى والدته ... اريد هذا القطار ... اريد هذه السيارة .. اريد هذا وهذا ... والأم تجري وراءه لتنفذ كل طلباته وفجأة توقف احمد عن الجري واخذ يتفحص الموظفة الواقفة خلف الكاونتر بشعرها الأسود الطويل وعينيها الصغيرتين كاللعبة وبشرتها البيضاء الخالية من العيوب وهي ترتدي ملابس زاهية الألوان وبحركة عشوائية رفع احمد يديه باتجاهها وهو يقول: أمي أريد هذه اللعبة .. ردت الأم بعفوية: حاضر.

ماجدة ملاوي