لم أعد أذكر بالضبط من الذي قال من أصدقائي بأن الحياة أشبه ما تكون بالـ «باص» وكلنا مجرد مسافرين فيها إلى محطات معروفة سلفاً وعندما يصل الباص إلى محطتنا المطلوبة ننزل منه دون ضجيج.. والباص أيضاً مشحون بالحكايات التي ترسم شكلاً في مخيلتنا للمحطة التي سينزل فيها كل شخص كان يجالسنا ويرافقنا في هذه الرحلة التي مهما كانت طويلة فهي ستنتهي سريعاً.. وانطلقت الحياة.. وانطلق الباص ..
ـ لم تتوقف عن الكلام سوى لتناول الطعام أو لشرب سائل ما، فيما كان يكتفي هو في غالب الأحيان بهز رأسه باتجاه واحد فقط.. من الأعلى للأسفل.. علامة الموافقة ..المشهد كان يتكرر أمامي منذ صعودهما إلى الباص واختيار المقعدين اللذين يحدانني من الأمام، حيث لا خيار أمامي مطلقاً لتجاهلهما إلا بالنوم الذي كان مطلباً عزيزاً لمن كان رأسه مسرحاً لسباق خيول لم تروض بعد فقد هجرت مقعدها في محطة حياته في لحظة رعونة.
ولأن طول المسافات في السفر يدفع بشياطين الفضول إلى السطح، وينبت للأذنين أجنحة حميمة.. فقررت الطيران بواسطتها..
ـ ألم يكن بإمكان أمك أن تستبدل وجهة سفرها بدلاً من الإمارات عندنا الى دولة قطر لزيارة شقيقك احمد؟
ـ ولكنها قادمة للوقوف الى جانبك في لحظات الولادة الصعبة خاصة وأنها المرة الأولى لك التي تكون صعبة للغاية كما أسمع.
ـ ولماذا لا تكون والدتي من يقف إلى جواري في هذه اللحظات، فأهل مكة أدرى بشعابها؟
ـ ألا ترين معي أن هذا كله مجرد كلام، فأنت لست حاملاً حالياً؟
ودخلت في نوبة نشيج مكتوم حتى لا يلحظ ذلك أي من الركاب (ومع ذلك فقد لاحظ الجميع ذلك، خاصة وأنهم كانوا يتابعون المشهد منذ بدايته) وعندما نجحت في الكلام قالت له: هل تعيرني لأنني لم أنجب لك بعد؟
ـ يا حبيبتي أنا لم أقل ذلك، ولكن هل المطلوب أن نختلف ونناقش موضوعاً لم يحصل بعد؟
ـ ولمَ لا، فقد يكون هذا الكلام فأل خير وأصبح حاملاً!!
ـ «علي» ذاك الشاب الصغير الجالس في المقعد المجاور لي، قال لي بأن سفره وحيدا رغم صغر سنه يعود إلى حبه للاعتماد على نفسه، كما أنه يسعى دوماً لإراحة والديه، والى أهمية أن يخلصهما من عبء التفكير دوماً في شؤونه الخاصة.. «لقد تعبا كثيراً في تربيتي» همس في أذني بحزن لافت.. «وهل سيكونان في استقبالك في محطة الوصول»، سألته .. فأشاح بوجهه إلى الناحية الأخرى كمن لم يسمع السؤال..
ـ الحلم وفادي أصدقاء رفضا الانفصال عن بعضهما رغم كل المحاولات من الجميع.. بعضهم كان يحاول ثنيه عن استغراقه في الحلم رأفة به، وآخرون كانوا يخشون تحقق أحلامه.. وما كانوا يخشونه قد وقع.. فقد نجح أخيراً بالحصول على عمل وسيبدأ برسم محطته الخاصة كما ينبغي.. سألته ..هل يشمل حلمه امرأة ما توقفت في محطته ذات يوم.. قال لي بصوت قادم من البعيد .. بأنها آثرت أن تكون جزءاً من محطة أخرى عندما رأت بأنه لا يملك شيئاً ليقدمه لها، وأردف قائلاً : « قد تكون فعلت الصواب»!
ويصل الباص المحطة..
«علي» لم يكن ينتظره أحد، وهو يقيم مع شقيقته في الإمارات.. وكان قد تعود السفر في ذكرى والديه اللذين كانا قد توفيا على هذا الطريق البري ذات يوم وهما يبحثان عن محطتهما النهائية..
ودّعني فادي ومضى مشحوناً بالأحلام.. ومطولاً جلست على احد المقاعد أنتظر مجيء أي كان لاستقبالي وعندما أصبح المكان مقفراً والضوء يرحل عنه نهضت مغادراً المكان مع نصف التفاتة للخلف لعلها تكون قد جاءت..!!
خالد اللوباني
