أخيراً.. بعد انتظار قضم رأس الوقت .. وقضى على همس ولمز أفراد العائلة بمن فيهم الزوجة والأبناء .. زفّ الوالد حميد خبر تقاعده، بابتسامة تخفي وراءها سيوفاً من الرفض والرغبة بالتشبث بآخر خيوط السلطة..
اليوم حميد عضو في شبكة المتقاعدين .. في مجلس الحي .. حيث تدور أحاديثهم .. ويتداولون خبراتهم .. ويتشاركون أحلامهم على اختلافها ..
جاء قرار التقاعد ساخناً.. أحرق على العائلة أوقات الهدوء والسكينة التي كانت تستوطن أوصال المنزل .. اخترق جدار الصمت لأسباب طوقت إرادته في الاستمرار، كان حميد على مفترق طريقين، كلاهما لا يروق له، إما تحمل المزيد من العناء .. أو التقاعد .. فمقر العمل أوشك على الانتقال إلى مدينة أخرى.. تؤدي إليها شوارع جديدة..
تتطلب رخصة قيادة أخرى لكي يتقن حميد سلوكها .. ما يراه أمراً مستحيلاً .. جاء صوت الزوجة يحرك ركود مياهه «انزين اقرا اللوحات وبدل الطريج» .. «الله يهديج يا حرمه .. الحين أنا بسوق والا بقرا اللوحات.. خلاص .. اتقاعدنا من حنتج» هو متقاعد بدرجة سباك .. سائق .. محلل سياسي .. وسفير في مواسم انتعاش السياحة .. ولكن ذلك لا يرقى إلى طموحه .. فالشبكة العنكبوتية هدفه الجديد .. وإتقانه استخدام الإنترنت معركته القادمة التي لا تقبل الهزيمة..
رغم بصره الضعيف وقدراته اللغوية المحدودة فهو لا يتوانى عن الجلوس مطولاً إلى جانب ابنته التي تستخدم الكمبيوتر المحمول لساعات طويلة «بنتي.. بعطيج اللي تبينه .. بس علميني إنترنت.. عشان أغلب أمج».. يبدو أن الطموح ولد متأخراً.. أو أن الإنترنت جاء في الوقت الضائع ..
جليس آخر في الشبكة.. زميل في رحلة التقاعد .. ولكنها مبكرة هذه المرة.. زيد متقاعد على أبواب الأربعين.. قضى عمراً في وظيفة ساهرة .. التهمته وساوت نور أيامه بظلامها.. فكان بالكاد يلتقي أفراد أسرته ويمارس واجباته الاجتماعية ..
بعد حين ..استفاق زيد على بياض الرأس واللحية في الربيع الثلاثيني .. اليوم هو يبحث عن زوجة.. وأبناء يكسون الشيب بفرح الأبوة.. ويصبغون سواد أيامه بصرخاتهم البريئة، ويحلم زيد بالأبوة بعد أن هدأ عصف الأمواج الذي خطف منه لحظات كان فيها قوي الجسد والروح ..
«مبروك مبروك .. الله يسعدك .. وإن شا الله تشوف عيالك وتفرح بهم» اختصر زيد شكليات لا طائل منها .. وتزوج على طريقة الإكسبريس .. وجاء دور العائلة.. لكي يستند كل منهما على الآخر وتبدأ لحظات الجزء الأكثر إثارة في حياته..
أما عبيد - فهو فاكهة المجلس.. أحاديثه الساخطة لا تكاد تخلو من الطرافة والنقد.. فيبدو أن عقدة التقاعد أفرغت ما في جعبته من خبرات السنين .. وتراكمات العمل .. فتركيزه يصب في كيفية إنهاء أزمة السير والمرور التي تودي بمستخدمي الطرق .. ويحلم في أن يصبح ضابط سير بدون راتب ويعمل تطوعاً ..
«أنا بس لو يشغلوني في المرور.. بخالف كل هالمتهورين اللي في الشوارع، وبفحص كل الدريوليه اللي يسوقون من أول ويديد .. وما بعطيهم لياسن لين ما يصطلبون ..».
«عاد يا عبيد الحين عقب ما شيبت بيشغلونك هالشغله؟» «تدرون عاد .. بشتري ستيشن بو شنب .. واللي ما يمشي عدل بدعمه عشان يتأدب ويحترم الناس اللي في الشارع»..
تستمر نوبات الضحك على انفعالات عبيد .. وأحلامه المشحونة.. واستماتته في القتال عن على كل ما يمت لوطنه بصلة..
الغريب أن أحلام وحكايات المتقاعدين تأتي متأخرة.. ولا تظهر إلا بعد تجلي الخبرات.. ولكن هيهات .. ففرصتهم يحجبها التقدم بالعمر .. وفي بلد يؤمن بالدماء الشابة .. لا مكان لخبرات بالأبيض والأسود.. فالأحلام مازالت ترسم .. ولكن على جدار صمت مجتمعي ..
أمل الفلاسي
