نظم مركز شؤون الإعلام في أبوظبي أمس ندوة حول جهود الإمارات في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بمشاركة عدد من الخبراء في قضايا الطاقة النووية السلمية وجانب من المختصين في دراسات الطاقة والتنمية المستدامة.

وقد استهلت أعمال الندوة بورقة مركز شؤون الإعلام التي قدمت قراءة تحليلية في وثيقة السياسة العامة لدولة الإمارات في تقييم إمكانية تطوير برنامج للطاقة النووية السلمية. وحول موقف دولة الإمارات العربية المتحدة من استخدامات الطاقة النووية السلمية أشارت ورقة العمل إلى أن المجتمع الدولي ينظر بتقدير لدولة الإمارات اعترافاً منه بما فيها من تقدم ورقي إنساني وحضاري في مسيرتها التنموية الشاملة. والتزامها بأحكام الشرعية الدولية ومقرراتها، ومسلكها الذي درجت عليه في نسج وتعزيز علاقاتها بغيرها من دول العالم ومنظماته الإقليمية والدولية وفق الثوابت التي تظل على الدوام بمثابة المقومات الراسخة لتوجهاتها وجهودها الرامية إلى توطيد الأمن والاستقرار العالميين من أجل رخاء وازدهار الأمم والشعوب وحسن استغلال ثرواتها فيما يعود بالفائدة على المجتمع الإنساني بأسره وفي ظل أجواء يسودها الود والتفاهم والعمل الإيجابي المشترك.

وأكدت أن دولة الإمارات تجدد دائماً وبإصرار المطالبة بالحد من انتشار الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل، وتقف إلى جانب المبادرات والدعوات الرامية إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من مثل هذه الأسلحة. كما ترى وبحق أن استخدامات الطاقة النووية ينبغي أن تقتصر على الأغراض السلمية، وبما يتفق مع الضوابط والمعايير المقننة لهذا الاستخدام من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ويتطابق مع كافة الأحكام المنصوص عليها في الاتفاقيات النووية الدولية.

وقد أوضح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ـ حفظه الله ـ هذا الموقف الثابت بقوله: «إن الحديث عن السلام في هذه المنطقة الحيوية من العالم يتطلب تكثيف الجهود لإزالة أسباب التوتر، وإقامة توازن دقيق في القوة بين دولها لن يتحقق إلاّ بتعهد جميع دول الشرق الأوسط بحظر استخدام الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الأخرى».

ويقول سموه أيضاً: «لقد أكدنا في كل محفل ولقاء أن منطقة الخليج العربي التي نحن جزء عضوي فيها هي موطن ثروات ومركز التقاء مصالح، وأن في إبعاد التوتر عنها ضمان أمن واستقرار المنطقة رافضين تأييد أي خيارات تخل بالتوازن الحرج وتعيد المنطقة إلى حقب مازلنا نعاني من تداعياتها.

مؤكدين دعمنا لحق كل الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية». ويقول أيضاً: «نحن في دولة الإمارات وفي منطقة الخليج عبرنا عن قلقنا الدائم من أي مشروعات أو برامج تدخل المنطقة حلبة السباق النووي، لكن أعربنا عن تأييدنا لحق جميع الدول في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية».

وذكرت أنه تمسكاً بتلك الثوابت فقد انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1995م، وهي الاتفاقية الهادفة إلى منع انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز نزع هذه الأسلحة، وتدعيم التعاون الدولي في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

حظر انتشار الأسلحة النووية

وأشارت الدراسة إلى أن دولة الإمارات عززت التزاماتها المرتبطة بالاتفاقيات الدولية وبالإجراءات والتدابير القانونية لتنفيذ مبادرات حظر انتشار الأسلحة النووية. ففي إطار الحرص على إنفاذ قواعد الشرعية الدولية .

ومنها على سبيل المثال قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1540 لسنة 2004م الذي تتعهد الدول بمقتضاه بوضع ضوابط محلية ترمي إلى منع انتشار الأسلحة النووية أو الكيميائية أو البيولوجية ووسائل إيصالها، بما في ذلك عن طريق وضع ضوابط ملائمة على ما يتصل بذلك من مواد ويشجع أيضاً على تدعيم التعاون الدولي في هذه الجهود، وإعادة التصدير.

وحول المحاور الأساسية لوثيقة السياسة العامة للدولة في تقييم إمكانية تطوير برنامج الطاقة النووية السلمية أشارت ورقة العمل إلى أنه كان منطقياً لدولة الإمارات التي يحرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه، على تعزيز ومواصلة إنجازاتها في سائر مجالات التنمية الشاملة والمستدامة، أن تضع في مقدمة أولوياتها استحداث إستراتيجيات وتنفيذ خطط وبرامج تقود إلى تحسين الأداء التنموي وتلبي حاجات ومتطلبات الحياة الآمنة والمستقرة لشعبها حاضراً ومستقبلاً.

وعن ذلك يقول سموه: «نؤكد أن الدولة مازالت على نهجها بضمان الحياة الكريمة وتحسين الظروف المعيشية وتوفير التعليم وفرص التدريب والتأهيل لكل مواطن ومواطنة إضافة إلى دفع الجهود لخلق المزيد من فرص العمل في القطاع الخاص .

وتوفير الخدمات الصحيحة ذات الجودة العالية وتأمين الرعاية الاجتماعية والتوسع في الخطط الإسكانية والاهتمام المتوازن بكل مناطق الدولة بما يهيئها جميعاً للتحول إلى أماكن جاذبة للإقامة والإنتاج والاستثمار».

كما قال سموه خلال جولة تفقدية لمشروعات تنموية إن الدولة حريصة على تحقيق تنمية متوازنة في مختلف مناطق الدولة وإيصال الخدمات بأفضل المستويات إلى كافة الأماكن في البلاد، مشيرا في هذا الصدد إلى البعد الاقتصادي للتنمية المتوازنة حيث إنها تسمح باستغلال واستثمار كافة الموارد المتاحة بأفضل صورة وعلى أعلى مستوى.

وقد أعلنت دولة الإمارات عن التزامها تنفيذ مشروعات لإنتاج الطاقة النووية السلمية واستخدامها في توليد الكهرباء وتحلية المياه كأحد مقومات الحفاظ على نهضتها الاقتصادية وزيادة معدلات نموها ورفع إسهاماتها في الناتج المحلي الإجمالي.

وفي ظل استمرار نهجها القائم على تنويع مصادر الدخل وهذا ما أكده جليا صاحب السمو رئيس الدولة في حديثه لصحيفة الحياة اللندنية في السابع والعشرين من مارس 2008م بقوله «أما بشأن قرار القمة الخليجية الأخيرة حول دراسة مشروع سلمي للطاقة النووية.

فإننا نؤكد على سلمية هذا البرنامج وضرورته كطاقة وتقنية وليس للمشروع أي غايات سياسية أو أهداف عسكرية وليس موجها ضد أي دولة كما أنه ليس مجرد رد فعل على أي برنامج آخر في المنطقة فالدول الخليجية وبينها الإمارات وكجزء من برنامجها لتنويع مصادر الدخل القومي تتجه لتنويع مصادر الطاقة المتاحة لها خاصة أن الطاقة النووية السلمية وطاقة الرياح والشمس هي الخيارات البديلة للنفط والغاز على المدى البعيد».

وفي إطار جهود دولة الإمارات العربية المتحدة لتقييم خيار استخدام الطاقة النووية السلمية كخيار تنموي وتقني فإنها أجرت وعلى مستوى أجهزة وهيئات متعددة ومتخصصة دراسات وأبحاث معمقة من جميع الأوجه الاقتصادية والبيئية وغيرها.

وبناء على ما تكشف من نتائج تؤكد ضرورة هذا الخيار وتثبت جدواه المستقبلية، شرعت وعلى مدى فترة تزيد عن ستة أشهر في إعداد وثيقة السياسة العامة أخذاً في الاعتبار التوصيات التي تم الحصول عليها من خلال التشاور مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وحكومات كل من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين واليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية.

وبعد العرض على مجلس الوزراء وافق على ما تضمنته هذه الوثيقة بجلسته المنعقدة في الثالث والعشرين من مارس 2008، وتمسكا بما درجت عليه دولة الإمارات في التزامها بالشفافية التامة في تعاملها مع المجتمع الدولي، فقد أصدرت النص الكامل لوثيقة السياسة العامة في العشرين من إبريل 2008م، مؤسسةً بهذا الإصدار نهجاً فريداً لاحترام قواعد وضوابط ومعايير النظام الدولي للطاقة النووية السلمية.

الاستخدام السلمي للطاقة النووية

وفيما يتعلق بالاهتمام الدولي بتوجهات الإمارات نحو الاستخدام السلمي للطاقة النووية أكدت ورقة العمل على أن الترحيب الدولي واسع النطاق الذي جاء بإعلان دولة الإمارات العربية المتحدة عن توجهاتها لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية ليؤكد ثقة المجتمع الدولي بدوله ومنظماته في سياسات الدولة الداخلية والخارجية.

وإدراكه لحرص وقدرة قيادتها الرشيدة على مواكبة تطورات العصر وملاحقة مستجداته والالتزام في الوقت عينه في انتهاجها لسياساتها للتنمية الشاملة والمستدامة بالقواعد والضوابط الدولية بل وتعزيزها بما يصب في مصلحة المجتمع الإنساني بأسره.

وأشارت إلى أن أهم ما يتأكد من صياغة وإصدار دولة الإمارات العربية المتحدة لوثيقة السياسة العامة في تقييم إمكانية تطوير برنامج للطاقة النووية السلمية في الدولة، هو حرصها البالغ على الاتساق مع القواعد والمعايير الدولية الحاكمة والمنظمة استخدامات الطاقة النووية للأغراض السلمية، والذي ظهر جلياً في كامل بنود الوثيقة التي فضلاً عن اتفاقها مع معايير ومتطلبات نظام الضمانات للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنها استمدت أحكامها.

أو أعلنت التزامها بالأركان الأساسية للنظام الدولي للطاقة النووية والمتعلقة بحظر الانتشار النووي، وبالسلامة في المجال النووي، وبالمسؤولية النووية الدولية. وهو الأمر الذي ترجم بصدق النهج الثابت للسياسة الإماراتية في تعاملها الشفاف والمسؤول مع مجتمعها المحلي والإقليمي وأسرتها الدولية.

استحداث بدائل الطاقة

وأشاد الدكتور أندرياس سيزمان، خبير العلوم الفيزيائية والابتكار التقني في ميونخ بألمانيا، في ورقة عمله بعنوان تطور وآفاق الطاقة المستدامة في المستقبل بتبني دولة الإمارات العربية المتحدة لمبادرة (مصدر) التي تقوم بالكثير من البحوث في بدائل الطاقة المتوازنة ـ ثاني أكسيد الكربون، وقال إن هذه المبادرة تأتي في مسارها الصحيح لتحويل الإنجازات العلمية إلى ابتكارات تكنولوجية واجتذاب خيرة العلماء والباحثين في هذا المجال وهو ما يشير إلى أن الإمارات تقف على رأس العالم في مجال استحداث بدائل الطاقة المستقبلية المستدامة.

وأضاف أن الدولة نجحت في توظيف الخبرات وسياسات الطاقة في تطوير آفاق واعدة لتشكيل مستقبل الطاقة بصورة أكثر فاعلية عبر العديد من البرامج والمبادرات حول مستقبل الطاقة وفي مقدمتها إنشاء مدينة المتوازنة ـ ثاني أكسيد الكربون لكسب المعرفة وتطوير تقنيات مجتمع المستقبل.

ومن جانبه أشاد ماتي لاسيلا سفير جمهورية فنلندا لدى الدولة بالقرار الذي اتخذته الإمارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة لتبني سياسة تقييم وتطوير الطاقة النووية السلمية، واصفا إياه بأنه قرار سديد وحكيم ويخدم توجه الدولة نحو التنمية المستدامة وتوفير الطاقة النظيفة للصناعة وإيجاد مصادر بديلة للطاقة المتجددة ويرمي إلى تنويع إنتاج الطاقة الوطنية.

وقال في ورقة العمل التي استعرضها أمام الندوة إن دولة الإمارات العربية المتحدة بإمكانياتها المادية والفكرية وقيادتها الرشيدة سوف تخطط وتنفذ هذا البرنامج بنجاح، وهي قادرة على أخذ زمام الريادة في طرح المبادرات حول تحسين كفاءة استخدام الطاقة النووية السلمية وتطوير أشكال جديدة منها.

موضحا أن توجه الدولة نحو هذه السياسة جاء على خلفية تزايد الطلب على الكهرباء مع ارتفاع تكلفة توفيرها باستخدام النفط والغاز الطبيعي اقتصادياً وبيئياً وهو ما أعطى خيار إنتاج الطاقة نوويا القدرة على المنافسة وسط الخيارات المختلفة.

مستقبل إمدادات الطاقة

وتناول باسي ناتري نائب الرئيس التنفيذي للاتصالات والعلاقات العامة بشركة (فينو فويما الفنلندية) في ورقة عمله التجربة الفنلندية في التعامل مع الطاقة النووية السلمية لإنتاج الكهرباء لتلبية الطلب المتزايد عليها حيث تعتبر فنلندا صاحب أعلى الحصص التي تستورد الكهرباء في أوروبا ولا تمتلك احتياطياً من النفط أو الغاز الطبيعي يمكن استغلاله والاعتماد عليه في هذا المجال.