غلبها النعاس، فتمددت على المقعد الطويل بعد طول انتظار.. انتظرت طويلاً من ينتشلها من معمعة السفر، فاستسلمت للنوم بعد محاولات يائسة للتعرف على الأرباب الجديد.
قطعت شوطاً كبيراً في رحلتها، بدأتها من منزلها المبني من الطين ورقائق الصفيح بشكل عشوائي في الحي الفقير الذي يخلو من المركبات، حملت حقيبتها الصغيرة التي ضمت بضع ملابس وصوراً لعائلتها وأحبائها، وودعت أقاربها وأهالي الحي بحزن وأسى، رافقها أخوها ومشيا عبر الأزقة الضيقة، اخترقت أنظارها مزارع الشاي الخضراء وترقبت حركة العاملات وهن في أوج انشغالهن بقطف الأوراق وتجميعها في السلال المحملة على ظهورهن.
عبرا عدة مزارع وشقا طريقهما نحو المروج الخضراء نزولاً إلى بساتين الفاكهة، وتوقفوا عند محطة الحافلات حيث توقف مشوار أخيها الذي أوصاها بعدم التحدث إلى الغرباء وان تترفق بنفسها، مودعاً إياها ثم فارقها بينما استغرقت هي في تفكيرها نحو مصيرها المجهول.
وبعد انقضاء زمن ما، تدافع وتزاحم الجميع نحو الحافلة، واندفعت معهم ممسكة بحقيبتها بإحكام، إلا أنها لم تحكم السيطرة على نفسها، فتعثرت وفقدت إحدى فردتي حذائها عند درجات سلم الحافلة.
ولم تجدي المحاولات نفعاً في الحصول عليها، فآثرت الجلوس على أحد المقاعد القريبة من باب الحافلة ليتسنى لها النزول عند المحطة الخامسة قبل الركاب الآخرين، حزنت كثيراً على فقدانها حذائها الجديد الذي اشترته لها صديقتها المقربة ميري بعد رجوعها من رحلة عملها الطويلة في الكويت، سرحت بخيالها بعيداً وفكرت في شعور أربابها الجديد عند استقباله لها ويخال له وهو ينظر إليها قادمة بأنها عرجاء بسبب ارتدائها فردة واحدة، فخشيت من رفضه لها ومن العمل لديه كمربية ويرجعها إلى ديارها بعد طول انتظار للحصول على فرصة للعمل في الخليج، أفاقت من غفلتها المؤقتة وتفكرت قليلاً في التخلص من الفردة الأخرى، فانتزعتها واحتفظت بها في جيب حقيبتها وفضلت المشي حافية القدمين.
توقفت الحافلة عند المحطة التي تريدها وترجلت منها بحثاً عن بوابة القطار التي ستقلها إلى مدينة أخرى وتبعد مسافة طويلة تمتد نحو عشر ساعات للوصول إلى المطار الرئيسي، سألت المارة عن رقم القطار المتجه إلى المطار ولم تجد لتساؤلاتها صدى، وبعد محاولات مضنية أشار لها أحد عمال المحطة بالإسراع في اللحاق بالقطار الواقع في المسار الأخير قبل انطلاقه، هرولت مسرعة حاملة حقيبتها فوق رأسها وانخرطت في نضالها من أجل الوصول إلى القطار.
واستقلته بعد عناء طويل واتخذت لها مقعداً في المقصورة الأولى، وما لبثت أن فاجأها صوت محصل الأجرة من الركاب طالباً منها إبراز تذكرتها، فقدمتها له بثقة ولكنه أمرها بالاستعجال في الخروج من المقصورة واتخاذ مقعد آخر في مؤخرة القطار، ونهضت تبحث عن مكان يريحها، متسائلة عن سبب طردها من المقصورة بالرغم من إبرازها للتذكرة ولم تشأ أن تستفسر عن الأسباب خوفاً من ردة فعله، فأخفت شعورها ومضت في طريقها نحو المقصورة الأخيرة وشاركت أحد الركاب الجلوس على المقعد المهترئ.
ومرت الساعات بطيئة متثاقلة، وبدت متماسكة على أمل الوصول إلى المطار في الوقت المحدد، وصمدت في وجه التعب والإعياء وأنهكتها الرحلة بالرغم من عدم انقضائها، واسترسلت في صمودها حتى بلغت المطار، فشعرت أن رحلتها أوشكت على الانتهاء وما هي لحظات حتى تستقر في مكان عملها الجديد وستتمكن من النوم على سرير خاص وستشاهد برامج التلفاز وسيتسنى لها التعرف على صديقات جدد، بالإضافة إلى الحصول على راتب شهري تدخر منه مبلغاً وتبعث الباقي لذويها.
أحلام كثيرة أرادت تحقيقها في بلدها، إلا أن ضيق ذات اليد أجبرها على العمل في بلد الغربة، فرضخت لواقعها سعياً لتأمين حياة أفضل لها ولأسرتها، وتأهبت لركوب الطائرة التي بدت غريبة بالنسبة لها، وحلقت الطائرة وكانت تبحث عن منزلها عبر نافذتها الصغيرة حتى غابت معالم بلدها، وكادت تطير فرحاً حين حطت الطائرة على الأرض.
فأنهت إجراءات السفر وتوجهت مسرعة إلى قاعة الاستقبال في انتظار من ينتشلها من معمعة السفر، فاستسلمت للنوم بعد محاولات يائسة للتعرف على الأرباب الجديد، وتمددت على المقعد الطويل بعد طول انتظار، ولم تستجب لنداءات رجال الأمن في البحث عنها حتى أحست بأن هناك من يوقظها مراراً، فعرفت بنفسها وأبرزت هويتها لرجال الأمن وأربابها الجديد الذي رافقته إلى منزله لبدء حياة عملية جديدة في حياتها.
نادية إبراهيم
