حفظ القرآن يؤدي إلى تطهير النفس وتزكيتها ورقيها في مدارج الكمال كما أنه يسمو بالإنسان إلى مرحلة إيمانية تجعله يقبل على عمل الصالحات بنفس مطمئنة ويبتعد عن كل ما يغضب المولى عز وجل، فيضبط نفسه ويتحكم في أعصابه حين الثورة والانفعال كي يدرأ الفتن والخصومات ويحظى برضا الله عز وجل ولذا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي طلبها منه فقال له: لا تغضب.
لقد ظهر أدب القرآن في منطقه صلى الله عليه وسلم وفي مسالكه وفي علاقاته بالناس وفي رفقه بأمته وفي حلمه ولين جانبه وسهولة طبعه وسعة صدره وانبساط وجهه للناس، ومن اقتدى به سار في طريق الخير والرشاد والصلاح والإصلاح. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أدبني ربي تأديباً حسناً، إذ قال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ابتغوا الرفعة عند الله، قالوا وما هي يا رسول الله؟ قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عن من جهل عليك» رواه الحاكم والبيهقي.
المسلم الحكيم له شأن عظيم وأمره محمود وفعله مرضي عنه لأنه بحلمه يستطيع أن يتغلب على أصعب المشكلات
المسلم ولا يعرض نفسه وأسرته للهوان، فإذا تعرض لموقف يغضبه صبر وتأنى وتثبت ثم عفا عن مقدرة لأنه يعرف فضل ذلك.
روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وجبت محبة الله على من أغضب فحلم. رواه الأصبهاني.
المسلم الحليم هو الذي يحلم عن الناس كافة، فإن صعب ذلك عليه فليتحالم، لأنه يرتقي به إلى درجة الحلم، وعليه أن يصل من قطعه من الأهل والأقارب والأصدقاء ولا يتمادى في القطيعة والهجر وعليه أن يلتزم بآداب التخاطب مع جميع الناس حتى مع من يختلف معهم، فلا يعلو صوته ويسب ويشتم وعليه أن يتريث ويذكر نفسه بما جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيئ.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رجلاً قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي ويجهلون علي وأحلم عنهم، قال: إن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك. رواه مسلم.
وأعظم العفو والحلم أن يكون المسلم حليماً مع زوجته وأهلها كي تدوم المودة والعشرة بينهما، فإذا تدخل أهل الزوجة بينه وبين زوجته في أمر ما، لا يقاطعهم ولا يناصبهم العداء بل يصبر ويحلم عليهم ويتقرب منهم ويكثر من زيارتهم ولا ينسى سحر الهدية فإنها تذهب وحر الصدر وتجعل النفوس مهيأة للخير دائماً.
روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم.
قال محمد بن السعدي لابنه عروة لما ولي اليمن: إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما، وقال بعضهم: الواجب على العاقل إذا غضب واحتد أن يذكر حلم الله عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته، ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي.
وروي حفص بن غياث عن أبيه قال: كنت جالساً عند جعفر بن محمد، ورجل يشكو رجلاً عنده، قال لي كذا وفعل لي كذا فقال له جعفر: من أكرمك فأكرمه ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه. والمسلم لو ابتلي بجار سوء عليه أن يكرمه ويبتعد عن سفهه ويقدم له النصيحة على أن ينتصح ويبتعد عن اللجاجة معه في الحديث ويترك لنفسه فرصة للتفكير والتثبت ثم يدعو له بالهداية.
روي عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» الفرقان: 63 قال: حكماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. وقال مجاهد في قوله تعالى: «وإذا مروا باللغو مروا كراماً» الفرقان: 62. قال: أي إذا أوذوا صفحوا.
وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه مر بلغو معرضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً.
حامد واكد