لكلمة الطلقة العديد من المعاني المعبرة، فهناك القطار الطلقة الذي يقصر المسافات بين الدول بعضها وبعض وبين المدن ذات المسافات الطويلة، وهناك طلقة الرصاص التي يمكن الاستفادة منها في تحرير وطن أو توقيف لص أو مجرم، ولكن الطلقة يمكن أن يكون لها معنى آخر وسياق آخر خطير، إذا تفوه بها إنسان فتبعد مسافات وتقصر مسافات أخرى.
فقد تبعد المسافات المادية والروحية بين قلبين، وتقصر أجل الحياة الزوجية، التي قال فيها المأذون يوما ما «وجمع بينكما في خير»، وقد تشرد أطفالا ذكورا وإناثا، وتبعث الكراهية والبغض بين عائلتين كان الأمل حاضرا لتكونا أكثر قربا وتعاونا على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان.
فالطلاق أبغض الحلال عند الله وشر لا يأتي منه خير أبدا، وبدا أن كلمة الطلاق باتت أقرب إلى اللسان من المغفرة وأقرب للفعل من التسامح، فهي كلمة يلقيها البعض لا يلقي لها بالا فيهوي بها إلى درك الإساءة، وتهوي معه أسرته إلى الخوف الشديد من المستقبل ومن إدراك الأمل الآتي من الاستقرار والطمأنينة.
والتي قال فيها الخالق العظيم «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة»، فكيف بالذي يحول المودة والرحمة إلى شقاق وظلم وظلام، ويبتعد بالآية عن مغزاها إلى معنى آخر من معاني شديدة البؤس وشديدة الوطأة على النفوس.
والطلاق إضافة إلى انه مشكلة اجتماعية فهو مشكلة نفسية لها آثار سلبية تفكك الأسرة وتزيد العداوة والبغضاء وتترك آثارها على الأطفال ومن ثم تكون الآثار الاجتماعية والنفسية العديدة بدءاً من الاضطرابات النفسية إلى السلوك المنحرف. والمختصون يرون أن أسباب الطلاق تتعدد وتتشعب فمنها الملل الزوجي ومنها سهولة التغيير وطغيان الحياة المادية والبحث عن اللذات وانتشار الأنانية وضعف الخلق.
ونجد أن عدم التوافق بين الزوجين يعتبر من أهم الأسباب ويشمل التوافق الفكري وتوافق الشخصية والطباع والانسجام الروحي والعاطفي، ويمكن للاختلافات بين الزوجين أن تكون مفيدة إذا كانت في إطار التكامل والاختلاف البناء الذي يضفي على العلاقة تنوعاً وحيوية.
أما إذا كان الاختلاف تنافسياً فإنه يبعد الزوجين كلا منهما عن الآخر ويغذي الكره والنفور مما يؤدي إلى الطلاق. وشباب اليوم تنقصه الخبرة في التعامل مع الزوجة والسبب عدم التوجيه من الأهل أو القراءة الواعية أو الثقافة السائدة التي أسهمت في تكوين شخصية جامدة لا تستطيع أن تتوافق مع شخصية مغايرة أو تعيش معها تحت سقف واحد.
والحياة الزوجية إذا لم تنطو على مشكلات واختلافات تنوع زادت المشكلات والخلافات، ولكن الواعي هو من يستطيع أن يحتوي هذه المشكلات ولا يسمح لها بأن تأخذ حجما أكبر أو تتضخم بشكل يصعب معه حلها، وهذا يتطلب خبرة ومعرفة وإدراك أبعاد الحياة الزوجية وكيفية الانتقال من العزوبية والفردية والأنانية إلى التعايش مع الآخر والتعاون.
السيد الطنطاوي : Tantawi2007@gmail.com