في ساعات الصباح الأولى من أحد الأيام، تلقت غرفة العمليات بلاغاً من شخص يقول إنه وهو في طريقه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر وجد جثة الرجل ملقاة في شارع جانبي
الانتقال إلى مكان الحادث
على الفور وبعد تلقي البلاغ، انتقلت دورية من الشرطة يرافقها عدد من أفراد البحث الجنائي والمسؤولين الأمنيين إلى حيث الرجل، وبدأت المعاينة للجثة، حيث تبين من الفحص المبدئي أنه تعرض إلى ضربة في صدره جعلت الدماء تخرج من أنفه وفمه.
في الوقت الذي بدأت الأجهزة الأمنية تبحث عن الفاعل، جاء التقرير الطبي من المختبر الجنائي ليؤكد أن الرجل تعرض لضربة من سيارة في صدره وأسفل بطنه، وكانت الضربة قوية بحيث أدت إلى تهتك في أعضائه الداخلية، إضافة إلى كسر في الحوض، كما أن قوة الضربة أوقعته على الأرض ورمت به إلى مسافة تتراوح ما بين 4 إلى 6 أمتار، ما أدى إلى ارتجاج في المخ إثر سقوطه على الأرض.
حاولت الأجهزة الأمنية أن تجد خيطاً ولو دقيقاً للوصول إلى الجاني، لكنها لم تتمكن، فالحادث وقع في طريق جانبي بين الفلل. ووفقاً للتقرير الجنائي، فإن الحادث وقع ما بين الساعة 30,11 و00,12 منتصف الليل، وهذا يعني أنه من الصعب أن تجد أحداً في تلك المنطقة، خاصة وأنها منطقة بعيدة عن الشارع العام. سلك المحققون في هذه القضية طريقاً آخر، وهو الكشف على السيارات من الأمام، فهذه الضربة لابد وأنها ستترك أثرها على مقدمة السيارة.
بعد بحث طويل وتقصٍ لم يتم التوصل إلى الجاني، لذا اقتنعت الأجهزة الأمنية بأن شاباً طائشاً صدم الرجل من دون أن يقصد قتله، ولأنه وجد الرجل مرمياً على الأرض خاف وهرب من مكان الحادث.
هذا كان أقرب تحليل للواقع، خاصة وأن أهل الرجل الميت وأقاربه وجيرانه أجمعوا على أنه شخصية طيبة وليس له أعداء إضافة إلى ذلك فهو رجل كبير تجاوز الستين من عمره بعامين.
بعد موت الرجل دبت الخلافات بين زوجته الأولى وأولادها من جهة وبين زوجته الثانية التي لا يتجاوز عمرها (18) عاماً حول الميراث، فالزوجة الأولى وأولادها لا يريدون أن يعطوا الزوجة الثانية نصيبها في الإرث.
اضطرت الزوجة الثانية لأن ترفع قضية في المحكمة للمطالبة بأخذ حقها الشرعي، وفي أثناء نظر القضية لاحظ الابن الأكبر للرجل المتوفى ان أحد أقاربهم واسمه (ر) هو الذي يقوم بإيصال زوجة أبيه إلى المحكمة وأنه ينتظرها في انتهاء الجلسة ليأخذها بسيارته إلى حيث تقيم أختها.
فقد انتقلت بعد موت زوجها من بيته إلى بيت أختها حتى لا تحتك بأهل زوجها يومياً ويسببوا لها المزيد من المشاكل. بدأت الغيرة تأكل قلب الابن الأكبر على زوجة أبيه فرغم أن بينهم مشاكل حول الإرث إلاّ أنها في النهاية كانت زوجة أبيه ولا يريد ولا يسمح لأحد أن يمس شرف والده سواء في حياته أو بعد موته.
بلاغ إلى الشرطة
في أحد الأيام ذهب الابن الأكبر إلى الشرطة مقدماً بلاغاً يقول فيه بأن زوجة أبيه على علاقة بقريبهم (ر) وان هذه العلاقة محرمة، وانه يريد أن يقتص من الاثنين حفاظاً على كرامة والده، رغم أن الشرطة اعتبرت بأن هذا البلاغ بلاغ كيدي بسبب الخلاف بين الجانبين إلاّ أنها بدأت تراقب المرأة حيث لاحظت الشرطة أنه يتم فعلاً اللقاء بين الاثنين وأن الشاب (ر) يأتي تقريباً كل يوم بعد الساعة التاسعة مساءً ويأخذ المرأة في سيارته.
كان الابن الأكبر يريد أن يثبت للشرطة بأن هناك علاقة محرمة بين زوجة أبيه و«ر» فهو يعتقد أنه إذا أثبت هذه العلاقة فإنه سيحرم المرأة من ميراثها ولهذا كان يراقب زوجة أبيه لساعات طويلة ويقوم بتصويرها عندما تخرج مع «ر» في سيارته.
في إحدى الليالي بينما كان «ر» مع المرأة في السيارة اعترض طريقهما الابن الأكبر وكان معه ثلاثة من أصدقائه حيث قاموا بضرب «ر» ضرباً شديداً أدخله إلى المستشفى وكذلك فعلوا بالمرأة، وكان هذا مؤشراً على أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة لذا تدخلت الشرطة بقوة وأخذت تعهداً على «ر» ألا يلتقي بالمرأة وتعهداً على الابن الأكبر ألا يتدخل في حياة زوجة أبيه وألا يتعرض لـ «ر».
كانت إجراءات التركة طويلة ومعقدة فالرجل كان يمتلك الملايين إضافة إلى العقارات والأسهم في البنوك والشركات واستثمارات في إسبانيا وغيرها، لذا كانت عملية حصر التركة شديدة التعقيد خاصة في ظل وجود خلافات عائلية.
شركة التأمين ترفض
على الجانب الآخر، وبعيداً عن العيون كانت المرأة تفاوض شركة التأمين للحصول على مليوني دولار هي قيمة بوليصة التأمين حيث كان زوجها قد أمّن على حياته لدى الشركة وكانت بنود البوليصة تنص على أن تعود قيمة التأمين إلى الزوجة، إلا أن الشركة لم تصرف قيمة التأمين وذلك لأن التحقيقات لم تكتمل بالنسبة إلى وفاة الرجل.
فالشركة تخشى أن تكون الزوجة متورطة في عملية القتل لأنها هي الوحيدة المستفيدة من قيمة التأمين. إضافة إلى ذلك، فإن الشركة كانت ترفض أن تؤمن على حياة الرجل لأنه كبير في السن لكن المبلغ الشهري الذي كان يدفعه كقسط للتأمين جعل لعاب الشركة يسيل فوافقت على التأمين على حياته.
نتيجة لمماطلة الشركة في الدفع اضطرت السيدة أن ترفع قضية ضد شركة التأمين مطالبة إياها بدفع المبلغ المستحق عليها، وأخيراً تمت تسوية بين الجانبين حصلت السيدة من خلالها على مبلغ مليون ومئتي ألف دولار.
فكرت السيدة في مستقبلها فهي لا تزال في مقتبل العمر لذا وجدت أن المبلغ الذي حصلت عليه من شركة التأمين كافياً لذا قررت العودة إلى بلادها، في الوقت الذي أوكلت فيه محامياً ينوب عنها في قضية التركة على أن يأخذ المحامي ثلث المبلغ الذي ستحصل عليه من التركة.
سافرت المرأة إلى بلادها لتبدأ حياتها هناك من جديد بعيداً عن المشاكل وحاولت قدر الإمكان أن تنسى كل الصعوبات والآلام التي واجهتها خلال حياتها مع زوجها الذي كان يكبرها بنحو 44 عاماً. بعد نحو ثلاثة أشهر اتصل المحامي بالمرأة ليخبرها أن قضية الإرث قد تم حلها وأنه عليها أن تأتي لتتسلم نصيبها.
طلبت المرأة من المحامي أن يتسلم نصيبها ويأخذ هو أجر المحاماة وأن يرسل لها بقية المبلغ على حسابها الذي أعطته إياه قبل أن تسافر، لكن المحامي أخبرها بأنه عليها الحضور بنفسها لأن هناك أوراقاً في المحكمة يجب أن توقعها هي بنفسها بعد نحو أسبوع من المكالمة كانت المرأة تقف أمام موظف الجوازات في المطار حيث رجعت لتتسلم نصيبها في الإرث. نظر موظف الجوازات إلى اسم المرأة وصورتها، ثم ضغط على ضوء أحمر في غرفة مجاورة حيث حضر رجال الشرطة واقتادوا السيدة إلى غرفة التحقيق.
فتح القضية من جديد
استغربت المرأة ما يحصل لها وقالت لضابط التحقيق بأنه قد يكون هناك خطأ في الاسم لهذا هم يعتقلونها لكن الضابط أخبرها بأنه ليس هناك خطأ وأنها رهن الاعتقال بسبب التآمر على قتل زوجها. لم تكد المرأة تصدق ما تسمع فكيف يكون ذلك فزوجها وجد مقتولاً بسبب صدمه بسيارة وهي لا تعرف قيادة السيارة فكيف تقتله، لكن الضابط قال لها بأنه (ر) اعترف بكل شيء وعليها أن تعترف هي أيضاً.
أحست المرأة بأن الأمر جد خطير وأنها قد وقعت في الفخ هنا قال لها الضابط عليك أن تتعاوني معنا لأنه لا فائدة من الإنكار. وأضاف الضابط بأنه تلقى اتصالاً هاتفياً من شخص مجهول يقول فيه الشخص المتصل بأنه يعرف من ضرب الرجل بالسيارة وقتله وأن زوجة الرجل مشتركة في الجريمة.
وقال الضابط بأن الشخص المجهول كان يتصل من هاتف عمومي وأنه عن طريق الـ )ٌّينى ٍََّّ( تم تحديد المنطقة والهاتف الذي تم منه الاتصال. وأضاف ان الشخص المجهول عاود الاتصال بالضابط مرة ثانية حيث تمكن الضابط في هذه المرة من تحديد الهاتف الذي يتصل منه.
كما تم تسليط إحدى الكاميرات على تلك المنطقة وبذلك تمت معرفة الشخص حيث ظهر واضحاً وهو يتكلم من الهاتف العمومي على إحدى الشاشات في غرفة العمليات، حيث أمر الضابط إحدى الدوريات القريبة من الهاتف أن تتحرك بسرعة وأن تلقي القبض على الشخص الذي يتكلم من صندوق الهاتف رقم (261 BNA) .
حيث تبين فيما بعد أنه (ر) ورغم أن (ر) أنكر في البداية أنه اتصل بالضابط إلا أنه لم يستطع الاستمرار في الإنكار بعد أن شاهد بنفسه صورته واضحة على شاشة احد التلفزيونات في غرفة العمليات، حيث تم تسليط كاميرا مراقبة عليه وهو يتكلم بعد أن تم تحديد خط الاتصال عن طريق الـ (wifi sms) .
لذا فإنه من هول المفاجأة لم يستطع إلا أن يقول الحقيقة وأضاف الضابط بأن (ر) اعترف بأنه هو المتصل فعلاً. وقال الضابط للمرأة بأنه عرف القصة كاملة من (ر) وكيف خططت هي وهو لقتل زوجها لكنه يريد أن يسمعها منها، مؤكداً لها بأن عملية الإنكار أو تضليل العدالة لن تجدي نفعاً.
المرأة تعترف
بدأت المرأة تبكي وهي تقول بأن زوجها قد اشتراها بماله كما يشتري أية سلعة، ورغم أنه لم يبخل عليها بالهدايا والثياب والمال إلا أنه لم يكن قادراً على سد احتياجاتها كأنثى. وقالت بأنه قبل أن يحدث له ما حدث بأسبوع طلبت منه أن يطلقها لكنه رفض بحجة أنه يحبها ولا يستطيع الاستغناء عنها وقال لها بأنه يعرف أنه مقصر معها وغير قادر على سد احتياجاتها الجسدية لكنه سيحاول.
وفي إحدى الليالي تناول حبتين من الحبوب المنشطة مما استدعى نقله إلى المستشفى بعد أن أصيب بنوبة من فقدان الوعي. وأضافت خلال وجوده في المستشفى صدف أن وجدت (ر) عنده ولأنني لا أعرف قيادة السيارة فقد طلبت منه أن يوصلني إلى البيت.
حيث عرض علي (ر) أن يأتي في اليوم التالي ويأخذني بسيارته إلى المستشفى وفعلاً جاء وهكذا أصبح (ر) يأخذني كل يوم إلى المستشفى ويعيدني من هناك حتى توطدت علاقتنا، وعندما خرج زوجي من المستشفى أصبحت لا أرى (ر) كثيراً إلا أننا كنا نتحدث طويلاً عبر الهاتف. وأضافت اننا شعرنا أنا و(ر) بتجاذب عميق حيث عوضني عن كل ما كنت أفتقده مع زوجي وأخيراً قررت أنا و(ر) أن نتزوج بعد أن يطلقني زوجي.
وقالت لقد طلبت من زوجي مرة ثانية وثالثة أن يطلقني لكنه رفض وعندما أخبرت (ر) بذلك اقترح علي فكرة بوليصة التأمين كما اقترح علي فكرة الخلاص من زوجي بقتله فنكون بذلك قد حصلنا على مبلغ التأمين وتخلصنا من أهم عقبة تقف في طريق سعادتنا.
وأضافت قام (ر) بقتل زوجي بضربه بالسيارة وبعد الحادث أخفى (ر) السيارة في الكراج الخاص بالمزرعة التي يمتلكها والده، وحصلت أنا على قيمة التأمين، حيث بدأ (ر) يطالبني بنصف قيمة المبلغ الذي حصلت عليه من التأمين لكنني رفضت أن أعطيه المال قبل أن نتزوج فقد لاحظت أنه بدأ في المرة الأخيرة يتهرب مني ولا يتصل بي إلا ليطالبني بالمال لذا قررت أن أسافر دون أن أخبره لأنني شعرت بأنه بدأ يراوغني.
قال لها الضابط لقد اعترف (ر) بكل شيء ثم أمر بإيداعها الحجز حتى يتم عرضها على المحكمة، بعد أن أخبرها بأن محاميها تعاون مع الشرطة من أجل إبلاغها بالحضور لاستلام نصيبها في التركة في المحكمة وقف المتهمان في القفص يستمعان إلى الحكم الصادر بحقهما حيث حكم على (ر) بالسجن عشرين عاماً في حين حكم على المرأة بالسجن عشر سنوات مع إعادة المبلغ إلى شركة التأمين وحرمانها من حقها في التركة.
بعد أن سمعت المرأة الحكم صرخت بأعلى صوتها تقول أنا ضحية أبي الذي باعني وضحية زوجي العجوز الذي اشتراني بماله وحرمني من أبسط حقوقي كامرأة، وضحية (ر) الذي بدأ يراوغني ولم يعد يرغب في الزواج مني.
إعداد ـ أحمد سليمان
