في إحدى أعرق جامعات العالم وأدق التخصصات ذهب مبعوثاً للحصول على الدكتوراه، كان عدد الطلاب يناهز العشرين في المحاضرة الأولى، حدد المحاضر خطة العمل التي سيسير عليها الطلاب في هذا التخصص حتى الحصول على الدكتوراه، ..«عليكم نسيان كافة أساليب التعلم السابقة في بلادكم...» كان التوجيه الأول للطلاب الذين جاءوا من شتى أنحاء المعمورة.

لم يتأقلم حسنين في بلاد «الهوت دوج» ولم يكن مستعدا لصدمة الحضارة الأميركية بهذه القسوة، اهتزت المهمة التي جاء من أجلها، وفي المكالمة الأولى مع والدته نقل إليها حسنين هذه الأفكار التي تعتريه، كان رد الأم قاسيا على هواجس ابنها مذكرة إياه بأنه لم يعرف طريق الفشل طوال عمره قائلة بصوتها الذي لملم داخله كل جراح الغربة والبعاد... الشهادة الكبيرة هي الحلم.... يا حسنين. لم يخفت صوت الأم بين جوانحه، حتى هدأت نفسه وراح الأمل يولد من جديد في بلوغ الأحلام.

مع مرور الوقت بدأ حسنين يتعرف على زملاء الدراسة، وأصدقاء جدد خاصة مع زميليه العربيين أحمد ومروان والزميل الآخر الآتي من أقصى المعمورة الياباني ياتوماشي الذي لا يفترق لحظة واحدة عن سوجا صاحبة القد الرقيق والوجه فائق الجمال وشعرها الأسود المتموج الذي يذكره بسواد الليالي في قريته التي يكسوها الظلام مع غروب الشمس.

كان حديث الطلاب العرب الثلاثة يدور حول ضرورة الاستفادة من الإمكانيات المتوافرة في هذه الجامعة، رغم الهوة الكبيرة بين حجم الإهمال الذي يعاني منه البحث العلمي في معظم الجامعات العربية، وبين ما رأوه في أميركا.

خلال سنتين أبدى حسنين تفوقا كبيراً في تخصصه كان مثار إعجاب المشرف على الدكتوراه، وزملاء الدراسة، وانتهت الرحلة كما خطط لها الجميع وحصل هو على درجة الدكتوراه بامتياز.

حانت لحظة الوداع، ولبى حسنين طلب ياتوماشي اللقاء على انفراد، أخرج ياتوماشي من جيبه أوراقاً، دفع بها لحسنين الذي تمعن فيها كثيرا .. ثم جاء الرفض سريعا لعقد العمل المغري الذي حمله الزميل الياباني، اندهش ياتوماشي وظن ان قيمة العقد لم تكن مناسبة، واقترح عليه عدم إبداء الرأي على أن يكون التواصل بينهما فيما بعد عن طريق التليفون والإيميل... قاطعه حسنين: أريد رد الدين لبلادي التي لم تبخل على تعليمي... افترق الصديقان وانتهت الدراسة وعاد الجميع كل إلى بلاده.

عين حسنين أستاذا في الجامعة براتب يقل مئة مرة عن عقد ياتوماشي الذي ظل متواصلا معه عبر الايميل والتليفون أحيانا، ثلاث سنوات مرت، رفض خلالها حسنين كل المغريات لترك الجامعة والسفر.. العمر يمضي كالسهم وضغوط الأم والإخوة والأصدقاء تزداد بضرورة إكمال دينه والزواج.. لم يجد مفراً من مصارحتهم بأنه لا يملك مصاريف الزواج لأن كل ما يتقاضاه من الجامعة يذهب في شراء الكتب والأشياء الضرورية..وضع معقد وجد حسنين نفسه فيه وهو على مشارف الأربعينات.

بإمكانيات قليلة ومساعدة من الأم تزوج حسنين زواجا تقليديا، في طريق عودته من انجلترا إلى اليابان عبر مطار القاهرة، التقى حسنين وياتوماشي الذي أقنعه بقضاء أسبوع كامل، استجماما من ضغوط العمل في مركز أبحاث والده والذي يدعوه للسفر مرارا..

في رسالة شكر رقيقة عبر الضيف الياباني لصديقه عن إعجابه الشديد بهؤلاء الناس البسطاء الذين قابلهم ووجد فيهم وجها لقيمة الإنسانية التي لم تشوهها مباذل الحضارة الحديثة، هذه البيئة الخصبة التي ستظل علاقتها وثيقة بتفوق البسطاء بذكائهم الفطري على أكثر شعوب هذه المعمورة تحضرا.

بعد زواج حسنين لم تكن الأمور تسير على الوجه الذي أراد، فأعباء الحياة تزيد وراتبه لم يكن كافيا لمواجهة الضغوط المستمرة للزوجة التي لم تنس أنها قرينة أستاذ جامعي، والأولاد الذين تزداد طلباتهم يوما بعد يوم....... دب الوهن في موقفه الرافض للسفر..

عدة ضربات على «الكي بورد» كانت الرسالة في ثوان تحط في اليابان، لم يتأخر الرد، أرسل ياتوماشي العقد إلى حسنين وبعد أقل من أسبوع كانت التذاكر قد وصلت وفي الموعد المحدد، مكالمة منتصف الليل حولت مسار حسنين من اليابان إلى إحدى الدول العربية، للإشراف على مشروعات يقوم بها مركز الأبحاث نفسه، حزم حقائبه واتجه للبلد العربي الشقيق.

محمد صلاح