حملت حقيبتها وتفحصت أوراقها وشهادات الخبرة وهرولت مسرعة إلى الشارع بحثاً عن سيارة أجرة .. وقفت بانتظار أي سيارة وشعرت بجسدها يحترق من لهيب الشمس، نظرت إلى ساعتها وحدثت نفسها: لا بد أن أصل إلى المقابلة دون تأخير.
أكثر من خمس دقائق مضت دون أن يلاحظها أي من سائقي الأجرة الذين يمرون دون مبالاة ... يختارون زبائنهم؛ فيتوقف التاكسي لأشخاص دون غيرهم ... أخيراً توقف أحد السائقين بالقرب منها لعله أشفق على حالها بعد أن لاحظ احمرار وجهها من شدة الحر.
ألقت بجسدها النحيل في السيارة وتفحصت مرة أخرى أوراقها الأصلية وشهادتها التي اصفرت وذبلت من كثرة تعرضها لآلات التصوير وصور الشهادات وأوراق الخبرة وأخذتها عيناها إلى اللافتات المكتوبة بأكثر من لغة لأسماء شركات كبرى في عدد من الأبراج الضخمة وسط المدينة وأحست بوخز يسري في جسدها، كانت تنظر إلى حلمها الجميل الذي لم يتحقق، سنوات مرت بعد تخرجها من الجامعة وهي تبحث عن وظيفة في مكان مناسب إلا أن أحلامها كانت دائما مؤجلة.
رددت في نفسها: إنها المقابلة رقم 55 يجب أن أفعل كل ما باستطاعتي لاجتياز الامتحان والحصول على الوظيفة وبدأت تردد بعض الصور القرآنية والأدعية التي أوصتها والدتها بقراءتها . توجهت الى موظفة الاستقبال في الشركة وأخبرتها بأن لديها موعداً مع المدير لشغل وظيفة سكرتيرة تنفيذية في الشركة.
قالت موظفة الاستقبال: المدير لديه اجتماع حالياً أرجو منك الانتظار ريثما ينتهي من الاجتماع. جلست باسمة في قاعة الانتظار تنظر بإعجاب إلى الموظفين الذين كانوا يمرون أمامها ويحملون أوراقا ويبدو عليهم الانشغال والجدية وتخيلت نفسها واحدة منهم ولم يبدد خيالها إلا صوت مألوف لفتاة تقف أمامها: باسمة.. هذه أنت ... يا لهذه الصدفة الرائعة .. مر وقت طويل منذ تخرجنا من الجامعة ولم أرك فيها وانقطعت عني أخبارك .. ماذا تفعلين هنا ... ؟
ردت باسمة وعلى وجهها علامة استغراب: سماح .. كيف حالك؟... أنا هنا من أجل وظيفة ... أنت ماذا تفعلين هنا؟
أجابت سماح وفي صوتها ثقة عالية بالنفس لم تعهدها فيها من قبل: أنا أعمل هنا منذ تخرجي تقريباً .. ما رأيك في أن نكمل حديثنا في مكتبي ونحتسي القهوة .. انه قريب من هنا .. وسأخبر موظفة الاستقبال أنك في مكتبي ريثما يأتي موعد مقابلتك؟
هزت باسمة رأسها بالموافقة وما زالت على وجهها آثار الدهشة ... وسماح كعادتها تثرثر وتثرثر دون أن يصل أي من كلامها الى عقل باسمة التي انشغلت تتذكر أيام الدراسة وكيف ان سماح كانت ضعيفة في الدراسة وكيف كان والدها يحضر لها جيشا من المدرسين الى المنزل لمساعدتها على فهم أبسط الأمور حتى انها لم تكن تخفي كرهها للدراسة وتؤكد على الدوام ان والدها هو من كان يشدد عليها لتكمل تعليمها .
وصلت الفتاتان الى احد المكاتب وأشارت سماح الى باسمة بالدخول .. هنا لمحت باسمة اللافتة المثبتة على باب المكتب: سماح ابراهيم - مسؤولة العلاقات العامة... لم تصدق باسمة ما رأته، وازدادت دهشتها وأخذت الاسئلة تدور في رأسها ... كيف وصلت سماح الى هذا المنصب بالرغم من صغر سنها وقلة خبرتها وذكائها المتواضع ؟
وبالرغم من أن سماح كانت تعزف على أذن باسمة سمفونية أمجادها وما حققته في هذه الشركة الا انها اعترفت بأنها لم تكن ترغب في العمل بعد التخرج خصوصا أنها حصلت على معدل مقبول في الجامعة .... وأن والدها رجل الأعمال بفضل علاقته الجيدة بصاحب الشركة استطاع ان يؤمن لها هذه الوظيفة لا لشيء .. فقط للتسلية وقضاء وقت الفراغ.
ولم يوقف ثرثرة سماح الا موظفة الاستقبال التي أبلغتها بأن المدير ينتظر باسمة في غرفة الاجتماعات .. تبادلت الصديقتان الوداع وما زالت أثار الدهشة مرتسمة على وجه باسمه .
جلست باسمة قبالة المدير وهو يقلب أوراقها بشيء من اللا مبالاة فسقطت كلماته المؤلمة على مسامعها: يؤسفني ان اقول لك انه ليس لديك الخبرة الكافية لشغل هذه الوظيفة .. على العموم اتركي نسخة من أوراقك لدى الاستقبال وفي حال احتجنا اليك سنقوم بالاتصال بك. سارت باسمة في الشارع ساخطة على كل شيء ... في داخلها غضب يتأجج وتوقفت فجأة ... غير مدركة لما تفعل وبدأت بتمزيق أوراقها وشهاداتها لتتناثر على الرصيف غير آبهة بنظرات الآخرين.
ماجدة ملاوي
