بالأمس لملمت كتبي ودفاتري وما بين الصور والسطور في دنيا الاغتراب مرت بذاكرتي قصص وحكايات، تذكرت جارنا أبا حسن وأسرته، أبو حسن كان كعادته يصحو كل يوم عند الفجر يتوضأ ويصلي، وكان صوت أم حسن يغالب لفحات برد الصباح وهي تعد له عدة الشغل وفطور الصباح، يداها ترتجفان من برد قارس ومرض ألم بها، تلف له الزوادة، رغيف من خبز التنور0

وحبتان من البندورة وحبتان من الخيار وخصلة من عنقود عنب، تصرها أم حسن في طرف زوادته، وقبل أن يغادر أبو حسن غرفته الوحيدة التي علتها الرطوبة وهاهو موسم الشتاء على الأبواب، ينظر إلى السماء ويقول يا رب تفرجها يا رب، ينحني أبو حسن يقبل أبناءه واحداً تلو الآخر ويمسح برفق على خصلات شعر ابنته الصغيرة مريم.

فيما أم حسن وقفت على استحياء تنتظر دورها وهي تردد «الله يقويك ويعافيك، ويديمك تاج على رؤوسنا، ويجعل لك في كل خطوة سلامة»، وخرج أبو حسن تسابق خطواته نسيمات الريح وحجارة الأرض التي تبعثرت هنا وهناك وهي تعتذر منه، يردد بعضاً من الآيات تارة وبعض أبيات العتابا والميجنا أحيانا أخرى، ويصل أبو حسن إلى مكان عمله .

حيث يعمل بالأجر اليومي في إحدى ورش البناء، ينقل الطابوق على كتفيه من الأرض إلى الطابق الخامس ومثلها أكياس الرمل والإسمنت، ومن ثم صبة الباطون، وسط تهكمات صاحب العمل الذي يطالب بمزيد من الإنتاج والإنجاز قبل أن ينتصف النهار.

وسط التهديد والوعيد، أنه لن يدفع لأبي حسن اليوم أجرته، وعند الظهر فتح أبو حسن زوادته ودعا بعض العمال لمشاركته الطعام، وفيما هو كذلك مر صاحب العمل وانهال على أبي حسن ورفاقه بالسب والشتائم فقال له أبو حسن: حرام عليك لقد انتصف النهار وانقصف ظهرنا وخارت قوانا، نريد أن نأكل لقمة تعيننا على العمل، تفضل شاركنا، وبعنجهية وغضب ركل صاحب العمل زوادة أبي حسن بقدميه وتدحرجت حبات البندورة على الأرض ببطء كأنها تعتذر من أبي حسن.

ووحده رغيف الخبز ظل في مكانه صامداً وكأنه يعتذر ويقول لصاحبه أبي حسن «لقمة العيش صعبة»عاد أبو حسن إلى البيت مهموماً حزيناً يلمم أحلامه وجلست زوجته إلى جانبه تستفسر عن سبب عودته باكراً على غير عادته، اتكأ أبو حسن على جدار غرفته ومد رجليه ووضع يديه خلف رأسه وغفا، فيما أم حسن تسرد له طلبات الأولاد، حسن يريد بنطالاً وقميصا للمدرسة.

ومريم تريد ثوباً جديداً لعرس بنت خالتها، ومحمد يريد ثمن دفاتر اليوم الأول للمدرسة، ومحمود يريد حذاء يقي قدميه موسم الشتاء القادم، وأنا أريد ثمن دواء الضغط الذي انتهى منذ يومين، نريد زيتاً وزعتراً، نريد شاياً وسكراً، نريد الاستعداد لشهر رمضان الكريم وبعده عيد الفطر السعيد..

فجأة صمتت أم حسن وقالت: «معليش يا أبو حسن بكرا بتفرج إنشا الله، ويكبروا الأولاد ويشيلوا عنك الهم، هل تريد أن أجهز لك كاسة شاي تروق دمك» لكن أبا حسن صامت لا يرد، فقالت له مرة أخرى: «لا تزعل اِنسَ اليوم طلبات الأولاد وبكرا بيصير خير، وأنا رح أتحمل وجعي يومين ثلاثة، ومسحت أم حسن جبين زوجها لكنها شعرت بقشعريرة فلاحظت أن جسده بارد ولونه أصفر وعينيه زائغتان، هزته من كتفيه فلم يتحرك، نادت، صاحت يا أولاد، يا حسن يا محمد.. أبوكم، أقبل الأولاد وتحلقوا حول أبيهم وهم ينادون عليه بابا... بابا،.

لقد رحل أبو حسن عن الحياة وهو يمسك بيده كسرة من رغيف خبز لم يأكلها بعد، تركها إرثاً للأطفال الجياع، أمسكت أم حسن كسرة الخبز وقبلتها ووضعتها على جبينها .

وهي تردد الحمد لله على هذه النعمة ورفعت يداها للسماء وقالت أعنّي يا رب، إنّ مع العسر يسرا ، وشدت على خصرها شالها الأبيض، ومضت بها الأيام تعلّم وتربي، تطعم وتداوي وتسهر الليالي، وتذهب عصر كل يوم خميس إلى قبر أبي حسن تقرأ على روحه الفاتحة وتروي له ما حدث معها.

ومرت الأيام وعلى الجدار الذي اتكأ عليه أبو حسن قبل وفاته علقت أم حسن صورة أبي حسن وإلى جانبها شهادة الطب التي نالها حسن، والدكتوراه التي نالها محمود في العلوم الفيزيائية، وإلى جانبها شهادة من كلية الآداب تشير إلى أن مريم حصلت على بكالوريوس في اللغة العربية، أما الصغير محمد فعلق صورته وهو يتخرج من الكلية الحربية ولوحة كتبت بخط الثلث .

داوود محمد