تعلّم أن يرحب بمتع الحياة الصغيرة، فقراءة كتاب شيق، أو سماع طفل يغني، أو اللعب مع موجات البحر ـ مع أنه لا يجيد السباحة ـ كلها متع ينبغي ألا يبخسها حقها، فما يمتلكه اليوم قد لا ينتظر حتى الغد، وهذا ما تعلمه من شجرة اللوز الوارفة التي كانت تظلل باحة الدار، فحين عثر على شقته الصغيرة كانت شجرة اللوز أول الاشياء الجميلة التي أحبها في المكان، فيلا كبيرة قسمها صاحبها إلى شقق صغيرة لتأتي بربح أكبر، تضم باحة كبيرة وموقفاً يتسع لعدة سيارات وشجرة لوز ونخلة وسدرة وهي أشجار تعيده إلى بستان جده وذكريات طفولته فيه.
قرر أن يستمتع بمزايا البيت؛ ففي المساءات يضع كرسيا تحت شجرة اللوز ويبدأ بالقراءة، وحين يعود من عمله يتأمل الشجرة بثمارها غير الناضجة وأوراقها العريضة ويحاول أن يتعرف على عمرها مع قناعته من أنه يتجاوز السنوات العشر، فكر ربما تكون شجرة اللوز في مثل سنه وربما تكون أصغر قليلا، تعود أن يراها يوميا فيبثها وجده وفرحه وحزنه، يحكي لها أسراره الصغيرة عن حبيبة تترك أبوابها مواربة فلا يجرؤ على الدخول ولا يستطيع الصمت.
يستمتع بصمت الشجرة وسكونها، ويطربه صخبها وتناثر أوراقها التي تدل على الحياة في باحة البيت، يسمع تذمر حارس البناية من كنس تلك الأوراق يوميا فيبتسم في سره شامتا به، هذا الحارس الكسول الذي يرفض أن يقدم خدمة من دون مقابل، ويشعر أن الشجرة تساعده في الثأر من الحارس فهي ترقص على نغم الريح وتزيح عنها عبء الأوراق اليابسة، لكن الحارس يزمجر بغضب يومي تعود أن يتجاهله كما تتجاهله شجرة اللوز.
صادف أن وجد شيئا عن شجرة اللوز في أحد المواقع الالكترونية فحمل معلوماته جذلا نحو الشجرة الحبيبة، وضع كرسيه وجلس قربها ليقول: اسمعي يا صديقتي، لقد عرفت عنك اليوم أشياء جميلة فاليمنيون يطلقون عليك لقب الملكة أنت تستحقين هذا اللقب، وأنت من الاشجار المثمرة دائمة الخضرة وقد يصل عمرك إلى 150 عاما يعني قد تكونين أكبر مني أيتها العجوز، ومن المؤكد أنك تجاوزت العاشرة من عمرك فشجرة اللوز لا تثمر إلا بعد السنة العاشرة والأهم من كل هذا اني سعيد بوجودك قربي أيتها الجارة العزيزة، عفوا أيتها الملكة.
لاحظ أن الحارس يظهر تذمره من جلوسه تحت الشجرة، فسأله عن السبب، فأجاب بوقاحة: أنت تجلس هنا مع حبيبتك ولا تدري أن تلك الملعونة هي سبب عملي الدائم في البيت، لقد صرت أكره هذه الشجرة.
رد عليه بغضب وقال: سأشكوك إلى صاحب البناية فأنت لا تحترم الناس.
دخل شقته متجاهلا وعيده للحارس فهو بالنتيجة رجل جاهل ولا يعرف من أصول اللياقة شيئا.
عاد من عمله في اليوم الثاني وما أن دلف من باب الفيلا حتى كاد قلبه أن يتوقف من هول الصدمة، لقد اختفت الشجرة فظهرت الباحة عارية مغبرة لا لون لها ولم يبق منها سوى بقايا جذعها الملتصق بالأرض وكأنه انحنى باكيا عليها.
انطلق كالمجنون نحو غرفة الحارس وأمسك بتلابيبه صارخاً لماذا قطعت الشجرة أيها المجرم؟ كيف جرؤت على مثل هذا العمل؟
بدأ الحارس بالعويل وهو يردد لم أقطعها وحدي لقد أمرني صاحب البيت بذلك.
اتصل بصاحب البيت محاولا كتم انفعاله، فقال الرجل: كيف أطلب منه قطعها وهي الشجرة التي زرعها والدي بيديه، لقد شكا لي من كثرة أوراقها فطلبت منه أن يقلمها، ولم أكن أعلم أنه قطعها.
عاد إلى الحارس الذي أظهر الغباء مدعيا أنه لا يعرف العربية قائلا: إذا شئت أعيدها اليك فهي مجرد شجرة !.
صار يخرج كل يوم محاولاً ألا ينظر إلى الباحة، بينما يرى الحارس يجلس مسترخيا بعد أن أفلت من العقاب بادعائه أنه لا يعرف اللغة العربية، وعدم رغبة صاحب البيت بقطع رزقه.
دلال جويد
