في الساعة الخامسة فجراً حطت الطائرة في احد المطارات الأميركية لتبدأ رحلة علاج جديدة في المركز المذكور، ساعات قليلة كانت بعدها الزوجة ترقد في الجناح الخاص، بعد يومين بدأت الحالة الصحية للزوجة في التدهور، وعندها قلق الزوج ودخل في مشادات مع الطبيب المعالج، وبعض الأطباء الآخرين المساعدين له.
وفي صباح اليوم الثالث سارع الرجل إلى الجناح الخاص بزوجته ليجدها فاقدة للوعي تماما، ليصاب بحالة من الاكتئاب والحزن مما دفعه للتوسل للدكتور ليتدخل لفعل أي شيء لزوجته التي يفديها بكل ما جمعه من الأموال، لم يجد الطبيب بداً من مصارحته أن زوجته توفيت بالفعل سريرياً وأنهم يبذلون الفرصة الأخيرة للحفاظ على حياتها، انهار الرجل في موجة من البكاء مؤكدا للطبيب انه يستحيل العيش بدونها.
في المساء أخبر موظف عبر الهاتف الرجل بضرورة التوجه فورا إلى المستشفى الذي وصله بعد معاناة شديدة في الطريق دفعه إلى التهور وارتكابه عدة مخالفات كادت أن تضع حدا لحياته، في الغرفة 104 كان اللقاء بالطبيب الذي فاجأه بموت الزوجة ليخر مغشيا عليه، وبعد أن استجمع ما بقي فيه من قوة أخبر الطبيب باستحالة العيش دون هذه الزوجة لهذا فقد قرر أن يحنط الجثة وسيكتفي بالنظر إليها.. اندهش الطبيب من هذا الكلام، مؤكدا استحالة ذلك.
هنا ثار الزوج موجها حديثه للطبيب: ألستم انتم بلد العلم، كيف تعجزون عن تحنيط جسد؟ رد الطبيب أن الإمكانيات المتوفرة حاليا لحفظ الجسد بصورته هذه دون تغير او تحلل تحتاج لمبالغ وإمكانيات كبيرة، قاطعه الزوج مؤكدا ان ملايينه كلها رهن تنفيذ هذه الأمنية استغل الطبيب هذا الموقف ووعده بإجراء عملية التحنيط بأحدث الوسائل والطرق وأخبره بضرورة دفع مبلغ كبير لأن هذه الأدوات غير متوفرة بالمستشفى. وضع جسد الزوجة في تابوت زجاجي وتم نقله إلى حجرة خاصة، وقضى الزوج عدة أيام بجانب هذا التابوت، كان حديثه إليها لا ينقطع يذكرها بالأيام الجميلة ويدعوها إلى القيام منذ هذا التابوت ليذهبا معا.
فجأة وفي صباح اليوم الخامس من الوفاة قرر الزوج وضع نهاية لهذه المعاناة، دخل على الطبيب واخبره انه يريد تجهيز جسد زوجته لدفنها في بلاده، في اليوم المحدد لنقل الجثة لاحظ شيئا اثار انتباهه وهو وجود الطبيب الأوروبي بالمستشفى، تقدم إليه الطبيب وألقى عليه التحية وقدم له واجب العزاء واخبره الرجل انه قرر دفن الزوجة في بلاده.
وبسرعة انتهت إجراءات نقل الجسد وعلى الطائرة المتجهة إلى أوروبا، كان القدر يحمل إليه مفاجأة أخرى فقد التقى بالطبيب الأوروبي للمرة الثالثة وابلغه على الفور انه يريد إخباره عن أشياء تخص وفاة زوجته، واشترط عليه التزام الصمت طوال الرحلة وجلس الرجلان في الطائرة كلاهما يخيم عليه الحزن الشديد، وسارع الطبيب للتأكيد أن الزوجة قتلت ولم يكن موتها طبيعيا، ثار الزوج المكلوم فذكره الطبيب بما اتفقا عليه.
التزم الرجل الهدوء وواصل الطبيب حديثه قائلا إن حظه العاثر أوقعه في اكبر مستنقع لتجارة الأعضاء البشرية في العالم، وان زوجته تم قتلها وبيعت منها أجزاء لإحدى المريضات في أوروبا كما تم نقل قلبها إلى منطقة أخرى من العالم، أما نخاعها الشوكي فبيع لأحد الأثرياء في آسيا، وتواصلت مفاجآت الطبيب حين أخبره أن السيدة التي يحمل نعشها على الطائرة ليست هي زوجته التي تم دفنها بالفعل منذ أيام وأن هذه الجثة تعود لسيدة أخرى توفيت في حادثة.
نسي الزوج في خضم هذه الأحداث أن هذا الطبيب هو الذي أشار عليهم بهذا المستشفى وان هناك خيطا رفيعا يربط بين وجوده في المستشفى وقتل زوجته. عاد الزوج ثانية إلى أميركا وقرر أن ينتقم لزوجته من القتلة، وما ان وطئت قدماه المستشفى حتى القي القبض عليه من قبل امن المستشفى الذي قاده إلى الطبيب، الذي أبدى ابتسامة عريضة وسؤالا محيرا عن الحديث الذي دار بينه وبين الطبيب الأوروبي، لم ينتظر الإجابة.
اذ سارع إلى تأكيد ان هذا الطبيب شريك له وأنهما اختلفا على أعضاء الزوجة التي تم بيعها، قاده الأمن إلى مكتب آخر، هناك اخرج له أخرج له الطبيب مجموعة من الأوراق تكشف عن وضعه على لائحة مهربي الأسلحة في العالم، وان قرار اعتقاله سيصدر خلال ساعات لم تكد قدما الرجل تحملانه ولم ينته الأمر عند ذلك فقد أصر الطبيب أن يخبره أن الزوجة كانت حاملا في الأسابيع الأولى.
وأكد له انه بريء من قتل الزوجة التي كانت تعاني نزيفا حادا في المخ أدى إلى دخولها في غيبوبة قد تستمر لسنوات طويلة لهذا فنحن استخدمنا معها قانون الرحمة أما أنت فإنك متهم بقتل الآلاف من أبناء جلدتك، ونظر إليه من تحت نظارته مذكرا إياه بأنه عليه المغادرة قبل إلقاء القبض عليه، لتبقى قصته وقصة الظالمين في هذه الأرض، أملا للمظلومين حينما تعجز كل الوسائل عن نصرتهم لتأتي عدالة السماء فتمزق ظلمة ليلهم الحالك بنور العدل فتقتص لهم بنفس الطريقة ونفس الأدوات وان اختلفت الأزمنة والأمكنة.
محمد صلاح
