تمايلت بدلال قائلة.. أرجوك يا أمي أن تسمحي لي بالذهاب لحضور حفل نجاح صديقتي سماح، وأعدك بأنني لن أتأخر في العودة، أطرقت الأم برأسها قليلاً وقالت:

ـ الأمر لله ولكن لا تتأخري يا ابنتي، وتذكري أنني سأكون وحيدة في لحظات غيابك لأن شقيقك أدهم لا يعود إلا بعد منتصف الليل.

ـ اطمئني يا أمي سأعود لنسهر سوياً.. وانفلتت خارجة

طنين الثلاجة الآتي من المطبخ وصوت أنفاسها وحدهما فقط بقيا دليلاً على وجود الحياة في هذا المنزل في ذلك المساء.. فقد اعتادت هذا الوضع منذ هجر الدفء أركان العائلة برحيل الزوج والأب للعمل في دولة الإمارات الوضع المادي تحسن كثيراً ولكن..العمر يذوي في الظل، والقلب المتوقد على الدوام يوزع حزناً يمكنه أن يشعل كل الحقول الجافة.. فهي الأم والأب لولد وبنت يلجآن بعنفوان عتبة الكبار، وهي الزوجة المهجورة التي تنتظر كل يوم عودة الزوج المنهمك في تأمين مستقبل أفضل للعائلة.

ـ صدقيني لا خيار لدينا سوى الصبر على أنفسنا

ـ ولكن الأولاد يكبرون وهم بحاجة إلى ظلك غطاءً لهم

ـ ثقتي بأنك قادرة على تسيير الأمور لاتحد.

ـ لماذا لا تأخذنا للإقامة معك هناك

ـ ستصبح المصاريف كبيرة ولن ندخر شيئاً.. وسافر إلى عمله.. ووحدها عادت لتسيير أمور العائلة

النظرات التي كان يرمقها بها صاحب الدكان الأقرب إلى منزلها الذي اعتادت أن تشتري من الكثير من احتياجات المنزل تحولت مع مرور الوقت إلى نظرات ذات معنى، فاستبدلته بمحال بعيدة عن المنزل لفترة طويلة، ولكنها ما لبثت أن عادت للشراء منه للتخلص من بعد المسافة بعد أن أصبحت نظرات أصحاب تلك المحال إليها ذات معنى..

وهمست لنفسها وهي تخطو أولى خطواتها من جديد إلى المحل القريب: قاتل الله البعد والفراق كم هو قادر على كبت الأنفاس الدافئة وفتح الطريق على ذات الرائحة العفنة، وحدجت صاحب الدكان بنظرة قاسية جعلته يبتلع كل ما أظهره من عفن وتناولت ما اشترته من أشياء وسط عينان منكسرتان لم ترتفعا إليها حتى وهي تدير ظهرها خارجة من المكان.. وبكت كثيراً عندما انفردت بنفسها في منزلها بعيداً عن الأعين.. فالصلابة مخزون قد ينفذ ذات يوم، ثم عادت وتماسكت قائلة لنفسها لا خيار سوى الصبر حتى نصنع لأولادنا وأنفسنا مستقبل أفضل

يبدو أن «لينا» قد تأخرت أكثر من اللزوم، وداخلها القلق كثيراً وهي لا تتلقى أي رد على اتصالاتها المتكررة على هاتف ابنتها الخلوي، فانطلقت دون تردد إلى منزل سماح صديقة ابنتها التي تقيم حفلة لمناسبة نجاحها، وكانت مفاجأة قاسية لها لدى دخولها مكان الحفلة عندما شاهدت أولاداً وبناتاً يتمايلون على إيقاع الأنغام الراقصة ابتهاجاً بالنجاح.

فما كان منها إلا أن صفعت ابنتها أمام الجميع وجذبتها بعنف شديد إلى الخارج، ولم تتوقف لينا عن البكاء حتى بعد وصولهما إلى المنزل بوقت طويل، حيث شرحت لوالدتها من خلال دموعها بأنها لم تفعل شيئاً خاطئاً، مؤكدة لها أن ما رأته يحدث الآن في كل البيوت تقريباً، وكانت دموعها تحرق حجار الصوان المصطنعة في قلب والدتها، التي انهارت إلى جانبها بالبكاء أخيراً مؤكدة لها أن سبب ما فعلته هو الدور المزدوج الذي تلعبه مجبرة..

فهي الأم والأب معاً.. لينا نسيت ألمها عندما شعرت أن وجعاً اشد يشتعل أمامها ولا تراه، فاحتضنت والدتها وانخرطت كلتاهما في نوبة بكاء قطعها دخول الابن خالد عائداً من سهراته الليلية المعتادة.. حيث التفت إليهما متهكماً دون أن يكلف نفسه عناء معرفة سبب حزنهما.. وكأني بكما قد شاهدتما فيلماً هندياً.. ومضى إلى الثلاجة مخرجاً ما تيسر من الأطباق ليبدأ رحلة التهام الطعام.

الحزم والشدة باتا ضرورة في التعامل مع ولدها خالد الذي وجدت في إحدى جيوبه ذات يوم وهي تفتشها استعداداً لوجبة غسيل.. حبوباً قال لها الصيدلاني الذي سألته عنها بأنها تندرج ضمن الحبوب المخدرة ولا تعطي إلا بوصفة طبية.. صراخها ثم نصائحها وأخيراً بكائها دفعوا ولدها إلى تقديم الوعود بعدم تكرار ذلك.

إلا أن المخاوف لم تبارحها فاتصلت هاتفياً بوالده لمشاورته في اتخاذ القرار المناسب ولكن هاتفه الخلوي كان مغلقاً، فأعادت الاتصال بمكتب الشركة حيث يعمل لتسأل عنه فردت السكرتيرة على سؤالها بأنه قد سافر في رحلة شهر عسل مع زوجته إلى عدد من دول شرق آسيا ولن يعود قبل ثلاثة أسابيع.. بكت كثيراً ثم ابتسمت لمرارة وهمست لنفسها قائلة هل الصلابة مخزون قد ينفذ يوماً ما؟!!

خالد اللوباني