لم يكن استقبال «مريم جمعة» التي اتخذت من خيمتها مجلساً تعرض فيه حرفها التقليدية لنا عادياً، فقد أظهرت حفاوة عالية بنا وكأن زائرها هو ابنها وليس صحافياً، دعتني إلى الجلوس بقربها لتقدم لي بعضاً من اللبن الذي انتهت من صنعه للتو، وكان طعمه لذيذاً وخفيفاً. لقد بدت أم محمد في عيوننا ماهرة تعرف كل شيء، بدءًا من صناعة البرقع إلى استخدام المخض.

ماذا تتقنين من الحرف اليدوية؟ تعلمت في حياتي العديد من المهن اليدوية، وأتقنها جيداً، منها الحياكة اليدوية، وصنع البراقع التي ما زالت تستخدمها المرأة الإماراتية حتى الآن، وإعداد اللبن بالمخض، وغزل الخوص وغيرها، والفضل في ذلك يعود إلى والدتي وجاراتي اللواتي اعتادت على الاجتماع بهن بشكل دوري حيث اعلم وأتعلم منهن.

ما هو المخض وهل يوجد له أسماء أخرى؟ هو عبارة عن كيس مصنوع من الجلد، يعلق على ثلاثة أرجل خشبية، ويستخدم لتحويل الحليب إلى لبن وزبدة وروب وجبنة، ويطلق عليه البدو اسم «إيهاب»، أما أهل دبي فيسمونه «السقي».

ما هي طريقة عمل «المخض»؟

بداية أحضر الحليب من البقر، ومن ثم أضعه في وعاء وأحفظه في مكان بارد حتى يتجمد ويتحول إلى روب، بعد ذلك أضعه في كيس «المخض» وأضيف إليه قليلاً من الملح والماء، ومن ثم أبدأ برجه أو هزة بقوة لمدة تقارب الساعتين»، وتواصل: «كمية الماء والملح تكون بحسب ما نريد اشتقاقه من الحليب، فمثلاً إذا كان المطلوب زبدة أو لبن يجب أن تقلل كمية الماء، في حين يجب زيادتها في حالة «الروب».

وبعد خض الحليب أعزل اللبن عن الزبدة التي اصنع منها السمنة، وأصنع من اللبن «الكامة» أو الجبنة المجففة، والتي اعتدنا على أكلها بعد ترطيبها مع الخبز والتمر والرطب، وكذلك أصنع منه الجبنة المالحة التي اخزنها للمستقبل، إلى جانب «الروب» الذي يكون سائلاً.

حدثينا عن عادات وتقاليد أهالي دبا الفجيرة؟

لا يوجد أي اختلاف بين عادات وتقاليد أهالي دبا الفجيرة وبقية الإمارات، وهي متشابهة سواء في المناسبات السعيدة أو الحزينة، ورغم تطور الحياة وسهولتها، إلا أن الحياة القديمة التي نشأنا عليها كانت أجمل وأبسط بكثير، حيث كان فيها الجار يخاف على جارة، ويسأل عنه ويلازمه في كل شيء وكأنهم عائلة واحدة.

وبالنسبة لنا في دبا الفجيرة، فما زلنا نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا القديمة سواء في الأفراح أو الأتراح، ففي أي مناسبة تجد الجيران يساعدون بعضهم البعض ويقفون إلى جانب بعض، ففي الأفراح مثلاً تجد أن النساء يساعدن أصحاب الفرح، فمنهن من تصنع القهوة وهناك من تقوم بصنع اللقيمات وأخرى المكسف والخبيص..الخ، وما زال التعاون بيننا حتى الآن، وحتى في حالة إصابة أي امرأة بوعكة صحية تحرص جارتها على رعايتها ومتابعة شؤونها.

هل تقومين بتعليم هذه المهنة لبناتك وللأجيال القادمة؟

نعم، احرص على تعليم بناتي الست، وكل فتاه تسألني عن حرفي اليدوية، وكذلك أصول العادات والتقاليد التي نشأت عليها، تحسباً لما قد تحمله الأيام القادمة لهن، ودائماً أحضهن على المحافظة على تراث بلدنا، ولدينا مثل شعبي يقول: «من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر».

غسان خروب