إن لكل عضو وظيفة ووظيفة العقل هي التأمل والنظر والتفكير وإذا تعطلت هذه القوى بطل عمل العقل وعطل من أهم وظائفه وتبع ذلك توقف نشاط الحياة مما يتسبب عنه الجمود والموت والفناء. ويقول الشيخ سيد سابق إن الإسلام أراد للعقل أن ينهض من عقاله ويفيق من سباته فدعا إلى النظر والتفكير وعد ذلك من جوهر العبادة فقال الله سبحانه وتعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض).
وقال (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا) وأخرج ابن حبان عن علي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا عبادة كالتفكير. إن ما ينعم البشر به من حضارة راقية ومدنية زاهرة إنما هو نتاج عقل ذكي ملهم وثمرة تفكير عميق مشرق. ولولا يقظة العقل ما اهتدت الإنسانية إلى قوانين الحياة، وما ارتقت خطوة واحدة ولبقيت على الحالة التي خلقت عليها دون أن تتغير أو تتطور.
ولكن العقل الذكي استطاع بمحاولاته المظفرة أن ينطلق من اساره ويحطم القيود التي فرضت عليه زمناً طويلاً فأمكنه أن يستخرج من الأرض كنوزها ويتغلب على جدبها ويزيد في إنتاجها ويقرب المسافات البعيدة ويخفف من الأدواء الفتاكة ويكتشف هذه المعلومات في البر والبحر والجو والتي تبلغ بالحياة إلى مستوى رفيع ما كان أحد من أجدادنا ليحلم به.
وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة وتوضأ ودخل في الصلاة وبقي يصلي ويبكي حتى آذنه بلال بصلاة الصبح. قالت فقلت: يا رسول الله علام البكاء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة: أفلا أكون عبداً شكوراً.
ولم لا أفعل وقد أنزل الله على هذه الليلة: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار). ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يفكر فيها.
وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي. فنظر الله إليه فغفر له. والذين يجحدون نعمة العقل ولا يستعملونه فيما خلق من أجله ويغفلون عن آيات الله هم موضع الازدراء والتحقير والله سبحانه يعتب عليهم فيقول:
(وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون)
(وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين)
وتعطيل العقل عن وظيفته يهبط بالإنسان إلى مستوى أقل من مستوى الحيوان وهو الذي حال بين الأقدمين وبين النفوذ إلى الحقائق في الآفاق وفي الأنفس. يقول الله سبحانه «ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون».
والتقليد هو المانع للعقل من الانطلاق والمعوق له عن التفكير ومن ثم فالله يثني على الذين يخلصون للحقائق ويميزون بين الأشياء بعد البحث والتمحيص فيأخذون الأحسن ويدعون غيره يقول جل شأنه:
(فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب).
رجاء علي