كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجراً عندما تلقى الضابط المسؤول اتصالاً هاتفياً من أحد الأشخاص يقول فيه بأنه وجد جثة شاب في أحد الشوارع الجانبية تحت مجموعة من الأشجار.
بدء التحقيق
على الفور انتقل الضابط ومعه فريق البحث الجنائي وخبراء البصمات وخبير من المختبر الجنائي، حيث تبين من المعاينة الأولى بأن الشاب في الثلاثين من العمر وأنه مقتول بطعنات أداة حادة في الجزء العلوي من جسمه. طلب الضابط رفع البصمات والبحث عن هاتف الرجل النقال الذي يعتبر كنزاً لرجال التحقيق، فمن خلاله يمكن الاستدلال على الكثير من القضايا.
تم تفتيش الشاب حيث وجدت في جيبه محفظة نقوده وبطاقات هويته وعدد من بطاقات الائتمان البنكية إضافة إلى النقود ورخصة قيادته. من خلال ذلك تم التعرف على شخصية القتيل والتأكد بأن عملية القتل لم تتم من أجل السرقة وإلاّ لكان القاتل أخذ محفظة الشاب التي تحتوي على مبلغ يزيد على «3000» دولار إضافة إلى أوراق نقدية أخرى، لكن المفاجأة التي لم تكن سارة هي أنه لم يتم العثور على هاتفه النقال وهذا يعني أن القاتل أخذه حتى لا يتم التعرف على المكالمات الأخيرة في حياة القتيل.
خلال أقل من «5» ساعات تلقى الضابط تقريراً من المختبر الجنائي يقول بأن الشاب مات مقتولاً بسبب طعنة سكين نافذة إلى القلب، وأن السكين التي استخدمت كانت على شكل منشار في إحدى جهاتها ما أدخل الهواء إلى داخل الجرح وسبب سرعة في الوفاة.
وأضاف التقرير أن عملية القتل تمت ما بين الساعة الحادية عشرة والحادية عشرة والنصف، كما أفاد التقرير بأنه لا توجد على الجثة أية بصمات كما لا يوجد تحت الأظافر أي أثر لجلد أو دم ما يعني أن القتيل أخذ على حين غرة ولم يقاوم قاتله. كان التقرير مخيباً لآمال الضابط لأنه لم يعطه أية معلومة عن القاتل حتى ولو بسيطة.
مصلحة الهاتف
لم يكن أمام الضابط إلاّ اللجوء إلى مصلحة الهاتف ليعرف آخر اتصالات تمت بين الشاب والأطراف الأخرى خاصة وأن التحريات أشارت إلى أنه لا توجد بينه وبين أحد من زملائه في العمل أية عداوة، كما أن زوجة القتيل لم تلحظ في يوم من الأيام بأن زوجها يتلقى اتصالات تهديد أو غير ذلك.
بعد شهرين من تلقي الضابط للتقرير من مصلحة الهاتف عن اتصالات القتيل لاحظ بأن اتصالاته مع موظفين يعملون معه في البنك ومع أهل زوجته وأقاربه وزوجته، لكنه لاحظ أيضاً أن هناك رقماً خاصاً تكرر أكثر من مرة في التقرير.
اتصل الضابط بالرقم إلاّ أن الهاتف كان مغلقاً، أحس الضابط بأن في الأمر سراً لذا رجع إلى مصلحة الهاتف من جديد ليعرف صاحب الرقم، حيث تبين أنه كان لفتاة جامعية وأن الهاتف توقف عن العمل في ذات الفترة التي قتل فيها الشاب.
تم استدعاء الفتاة إلى مركز التحقيق حيث أنكرت في البداية معرفتها بالشاب إلاّ أنه بعد وضع الحقائق أمامها اعترفت بأنها كانت تتواعد معه، وكانت بينهما قصة حب وعندما سألها الضابط عن سبب قتله أجابت بأنها لا تعرف، وأنها أصيبت بصدمة عنيفة نتيجة لذلك، وعندما سألها عن سبب إغلاق هاتفها الذي كان يتصل القتيل عليه قالت بأنها أغلقت الهاتف لأنها عندما سمعت بمقتله من الحي الذي تعيش فيه خافت فأغلقت هاتفها.
أحس الضابط بأنه لا توجد هناك شبهة قتل من قبلها وأن دافع القتل غير موجود ومع ذلك تمت مراقبتها لعل وعسى. طلبت الفتاة من الضابط إخفاء ما دار بينهما حتى لا يؤثر ذلك على سمعة أهلها فوعدها بذلك مقابل أن تتصل به وتخبره عن أي شيء أو أية معلومة قد تقود إلى اعتقال القاتل.
القاتل مجهول
استمرت التحقيقات في تلك القضية أكثر من ستة أشهر دون أن يتوصل فريق التحقيق إلى أية أدلة أو حتى دليل واحد ما دفع الضابط لأن يسجل القضية «ضد مجهول». ومع أن القضية سجلت «ضد مجهول» إلاّ أن ذلك لا يعني نهاية المطاف فقد يعود التحقيق فيها في أي وقت ولأي سبب شأنها شأن كل القضايا من هذا النوع، وعادة ما توضع مثل هذه القضايا في الكمبيوتر تحت بند «لا يزال البحث جارٍ».
في أحد الأيام تناقلت الصحف خبر موت شخص مهم كان الشخص هو والد الفتاة التي حقق معها الضابط، أمسك الضابط بهاتفه واتصل بها معزياً وعارضاً خدماته إن كان هناك شيء يمكن أن يقوم به، لكن الفتاة شكرته على مشاعره الطيبة كما شكرته على أنه لم يبح لأحد عن سرها مع ذاك الشاب الذي وجد مقتولاً.
بعد مرور نحو ستة أشهر تلقى الضابط اتصالاً من نفس الفتاة تطلب مقابلته حيث استقبلها في مكتبه طالباً منها السبب وراء هذه المقابلة. قالت له الفتاة بأنها تعيش مع والدتها وأخيها في الفيلا التي تركها لهم والدها، ولكن زوجة أخيها تريد الآن أن تبيع الفيلا ليأخذ كل واحد منهم نصيبه في التركة حتى تتمكن هي من أن تأخذ نصيب زوجها كي تبني بيتاً لها ولزوجها في المدينة التي تعيش فيها والدتها.
وأضافت الفتاة بأن والدتها ترفض أن تبيع الفيلا وأن زوجة أخيها حولت حياتهم إلى جحيم حتى انها أصبحت تضرب والدتها وعندما أخبرت الفتاة أخيها بأن زوجته تضرب والدته لم يحرك ساكناً ولكنه على العكس من ذلك وقف إلى جانبها وطالب ببيع الفيلا لأنه لا يريد أن يستمر هو وزوجته في العيش في هذه المدينة، خاصة وأن عمله في ذات المدينة التي تعيش فيها أسرة زوجته وهذا يعني أنه لو بنى بيتاً هناك فإنه سيوفر على نفسه عناء الطريق في الذهاب والإياب من وإلى عمله. طلب منها الضابط أن يحلوا هذه المسألة العائلية ودياً لأن ذلك أفضل من أن تتدخل أطراف خارجية.
بيع الفيلا
بعد أقل من شهر على تلك المقابلة تقدمت الفتاة ببلاغ إلى الشرطة تطالب فيه بحمايتها وحماية والدتها حيث إن أخيها اتفق مع أحد سماسرة العقارات على بيع الفيلا على أن تستأجر هي ووالدتها شقة في إحدى البنايات، وأن السمسار أحضر عدداً من الأشخاص لشراء الفيلا، وقالت الفتاة بأن ذلك سبب تدهوراً في الحالة الصحية لوالدتها المتدهورة أصلاً وأن زوجة أخيها هي السبب وراء تلك المشاكل.
تم استدعاء الشاب إلى مركز الشرطة وحاول الضابط حل المشكلة ودياً لكن الضابط لاحظ بأن الشاب واقع تحت تأثير زوجته وأنه غير قادر على مخالفتها. عند عودتهما من مركز الشرطة وقعت مشادة بين الفتاة وأخيها، حيث هددها بأنه سيقتلها إن هي ذهبت إلى مركز الشرطة من جديد، أو أثارت هذه القضية في المحاكم.
لكن الفتاة بقيت مصرة على موقفها حيث عادت إلى مركز الشرطة وطلبت حمايتها، تم استدعاء الشاب إلى المركز حيث وقع تعهداً بعدم التعرض لأخته. في أحد الأيام جاء الشاب إلى غرفة والدته حيث كانت أخته تجلس ورمى بكيس من البلاستيك يحتوي على نحو نصف مليون دولار وقال لوالدته هذا نصيبك ونصيب اختي من ثمن الفيلا التي بعتها وعلينا أن نخليها خلال شهر من الآن.
بدأت الأخت تصرخ في وجه أخيها وتشتمه ثم قامت برمي الكيس وما فيه من مال في وجهه، أحس الأخ بأن كرامته قد جُرحت خاصة وأن الحادثة وقعت أمام زوجته فما كان منه إلاّ أن صفع أخته على وجهها ثم أتبعها بلكمة أدت إلى سقوط أحد أسنانها. حاولت الأم أن تنهض متثاقلة لتبعد ابنها عن أخته، فما كان من ابنها إلا أن دفعها دفعة قوية أوقعتها على الأرض.
بعد ذلك أخذ الشاب الكيس المملوء بالنقود وقال موجهاً كلامه إلى أمه وأخته عليكما إخلاء الفيلا بعد شهر وهذه الفلوس لن تأخذا منها شيئاً، أما الفيلا فلم تعد لنا بعد هذه الليلة لأنني وقعت عقود البيع. كانت الأم مصابة بحالة من الذهول بسبب ما يحدث فلم تتوقع من ابنها كل هذا الجحود، أما الفتاة فقد خرجت باتجاه آخر، حيث قادتها قدماها إلى مركز الشرطة هناك في مركز الشرطة وقفت الفتاة أمام الضابط تروي له ما حدث من أخيها، حاول الضابط تهدئتها كما حاول أخذها إلى المستشفى، حيث كان فمها ينزف دماً لكنها قالت له لن أترك مكتبك قبل أن اعترف لك بكل شيء.
قال لها الضابط وما عساك أن تعترفي فقالت له أخي هو القاتل الذي تبحث عنه، قال الضابط أرجوك اهدئي وإياك أن تقولي كلاماً في حالة غضب قد تندمين عليه لاحقاً، فأنا حتى الآن لا أريد أن أتدخل في قضاياكم الشخصية والعائلية، لكن الفتاة قالت أخي هو الذي قتل صديقي، ولو اعتقلته فستعرف منه كل شيء فهو الذي قتل الرجل الذي وجدتموه ملقى على الأرض وقد طعنه بسكين في قلبه في مكان... كذا.
حتى هذه اللحظة لم يأخذ الضابط كلام الفتاة على محمل الجد فهو يظنها تكذب لأنها تريد الانتقام من أخيها بسبب ضربه لها وعصيانه لوالدتها. إلاّ أن الفتاة كانت مصرة على قولها، وطلبت من الضابط فتح بلاغ بذلك، ورغم أن الضابط بدأ متشوقاً لمعرفة المزيد إلاّ أنه قال لها سأعود إليك بعد قليل. طلب الضابط من الساعي تقديم الشاي والماء للفتاة ثم تركها لأكثر من عشرين دقيقة، وبعد ذلك عاد إليها يسألها من جديد هل تريدين فعلاً فتح بلاغ ضد أخيك وتتهمينه بأنه هو الذي قتل الشاب أم أنك هدأت وتراجعت، إلاّ أن الفتاة قالت بل سأعترف بكل شيء.
الاعتراف
قالت الفتاة في تلك الليلة التي قُتل فيها الشاب تلقيت اتصالاً هاتفياً منه إلاّ أنني لم استطع أن أجيب لأن أخي كان بجانبي ويراقبني، وكان أخي طلب مني أكثر من مرة أن أقطع علاقتي بالشاب إلاّ أنني رفضت ذلك بكل قوة بداخلي لكنني أفهمت أخي بأنني فعلاً لم أعد أتصل به. ولأنني لم أجب على الهاتف بعث لي الشاب برسالة على هاتفي النقال قال لي فيها أريد أن أقابلك الليلة في ذات المكان الذي نتقابل فيه الساعة «11» مساءً.
وأضافت، أخذ أخي الهاتف وقرأ الرسالة فجن جنونه وبدأ يضربني بشكل وحشي وهددني بأنه سيخبر والدي بذلك ثم أخذ هاتفي وكتب رسالة إلى الشاب قال فيها «أنا لا أستطيع مقابلتك في ذات المكان لأن أخي يراقبني ولكن عليك مقابلتي في مكان كذا «.....» حيث حدد أخي له المكان الذي سيتقابلان فيه.
وقالت الفتاة أخذ أخي سيارتي وهاتفي النقال معه ثم أخذ عباءتي، وبعد ساعتين عاد إلى البيت وكان خائفاً ومرتبكاً وقال لي «لقد قتلت الكلب» وإن تفوهت بكلمة سوف تلحقين به وسأدفنك وأنت على قيد الحياة في الصحراء.
وأشارت لقد شعرت بخوف شديد فقد كان أخي جاداً فيما يقوله ثم لو أنه أخبر أبي فإنه سيفعل بي أكثر من ذلك لذا عندما عرفت بأن الشاب قُتل لم أشأ أن أتكلم لأن القاتل أخي، وهذا سيُلحق سمعة سيئة باسم والدي.
كان الضابط يستمع مندهشاً لما تقول ثم طلب منها أن توقع على اعترافاتها وتنصرف، أصدر الضابط أمراً باستدعاء شقيق الفتاة حيث بدأ التحقيق معه حول الكيفية التي قتل فيها الشاب.
حاول الرجل أن ينكر في البداية قائلاً بأن أخته تدعي عليه كذباً لأنه باع الفيلا، وقال بأنه مستعد لأن ينسى أمر الفيلا، ويعيد للرجل الذي اشتراها فلوسه وأن يعيشوا جميعاً في الفيلا كما كانوا في السابق، لكن الضابط كان يقول له أريد أن أعرف كيف قتلت صديق أختك.
وجد الرجل بأنه لا مجال للإنكار فقال للضابط بأنه يعرف صديق أخته فهم يعيشون في حي واحد وسبق أن حذره من أن يتصل بأخته لكنه استمر في الاتصال بها وإغوائها.
وأضاف ليلة الحادثة أرسلت له رسالة عن طريق هاتف أختي وحددت له مكاناً فيه شجر وفي الموعد جئت وكنت أركب سيارة أختي وعباءتها ولأن الوقت كان ليلاً لم يستطع أن يميزني، وعندما التقيت به اقتربت منه وفاجأته بطعنة في قلبه، وقبل أن يدرك ما حصل له طعنته بأخرى حتى سقط على الأرض وعندما تأكدت من موته أخذت هاتفه النقال وأداة الجريمة حتى لا يستدل عليّ أحد.
وأضاف بأنه كان يدافع عن أخته وعرضه لكنه لم يكن يتوقع أن تُفشي أخته سره وتوقع به
إعداد ـ أحمد سلطان
