كان قد دخل قبل قليل فقط إلى منزل شقيقه كونه يقيم معه منذ ستة أشهر وهو تاريخ وصوله للعمل في الدولة، وكان قد آثر أن يترك لشقيقه وزوجته الفرصة لممارسة طقوس ربما يكونان قد افقدهما وجوده معهما طعمها كالذهاب لوحدهما لتناول طعام العشاء.. (ليس ربما بل بالتأكيد).

همس لنفسه وهو يستمتع بصوت الرشفة الأولى له من فنجان القهوة الذي أعده لحظة دخوله إلى المنزل رافضاً أن يسمح للكارثة التي أحدثها في المطبخ وهو يعد القهوة أن تخدش تلذذه بنوعية البن الجديد الذي أحضره له أحد الأصدقاء.

هذه الكارثة التي أضحت فيلماً أثرياً جراء تزايد عدد مرات تكرارها بحيث لم يعد يثير دهشة أحد، بل ربما تثير دهشة الآخرين إذا لم تقع الكارثة وهو يتنطح لأداء أي عمل، كأن يطهو الطعام أو يعد الشاي والقهوة للضيوف.

حيث تبدأ أصوات تحطم الأواني تصل إلى الجميع، وينتهي المشهد أخيراً بدخول عبد الله إلى الصالون حيث يجلسون معفراً بالبهارات والدقيق، تنتشر على أنحاء ملابسه بقعاً لمواد ذات ألوان مختلفة يضع امتزاجها ببعضها الجميع أمام صعوبات جمة في التعرف على ماهيتها.

واليوم وفي هذه الجلسة التي يصر على أن تكون هادئة كان قد سبقها مجزرة لأدوات مطبخ نتج عنها تحطم العديد من الأطباق وانسكاب قارورة الزيت. بالإضافة إلى تعثره بسلة البصل والثوم التي تناثرت محتوياتها أشلاءً في المكان.. وهمس لنفسه: (الحمد لله فقد كانت الثلاجة ضحية محتملة عندما اتكأت عليها عقب اصطدامي بسلة البصل والثوم.

تمايلت مرات عدة ولكنها استقرت أخيراً، وبالتالي فإن سقوط خلاط الفواكه وتحطمه حيث كان موضوعاً فوقها لا يعد شيئاً يذكر أمام الخسارة التي كان يمكن أن تنجم عن تحطم الثلاجة.. الحمد لله.. الحمد لله).. ولم يكن قد بلع الرشفة الأولى من قهوته حتى وقعت عيناه على الصورة التي وضعت على الحائط الذي يواجهه مباشرةً فوق التلفزيون.

وقال لنفسه بامتعاض: لماذا تصر زوجة شقيقه على أن تضع أسرتها في المقدمة دائماً وتهميش أسرة زوجها.. ففي الصباح كانت تزين الحائط صورة والده الذي ضحى كثيراً من أجلهم، ولكن هاهي قد استبدلت صورة هذا الملاك برسم لوالدها الذي لم يقدم الكثير لأولاده بدليل أن أفضل واحد منهم بالكاد قد استكمل المرحلة الإعدادية.

حيث أقيم له حفل ضخم.. كيف لا وهو (أول) شخص في الأسرة يتجاوز هذه المرحلة.. وقد كان (الأخير) أيضاً كما أظن.. همس عبد الله بهذه الكلمات لنفسه مشفوعةٍ بابتسامة شماتة.. وكاد عبد الله أن يختنق بالرشفة الثالثة عندما وقع بصره الحائر على صورة أخرى على الجدار المحاذي له تضم فتاتين وشابا لم يتجاوزوا جميعاً العشرين من عمرهم..

لابد أنهم أشقاؤها.. قال لنفسه متبعاً ذلك بالقول وبحدة شديدة بأن السكوت على هذا الأمر لم يعد ممكناً، مضيفاً بأنه يشير أيضاً إلى مسألة حاول تجاهلها مطولاً وهي أن شقيقه عدنان قد أصبح ذا شخصية ضعيفة أمام زوجته التي تفرض عليه كافة إملاءاتها، وهو أمر يجب وضع حد له أيضاً.

ولكن.. ولكن ماذا أملك من وسائل ضغط عليه، فهو الذي يملك مفاتيح عملي كلها ويمكن له وبتحريض منها أن يطردني شر طردة وتصبح الساحة خالية تماماً لها لإحكام السيطرة عليه ويتحول المنزل إلى معرض لصور أهلها.

وقد يزيلون صورة عدنان عن جواز سفره ووضع صورة عاصم شقيقها.. ويبتسم عبد الله لهذه الفكرة العبقرية التي خطرت له، ويقول سامحه الله مشكلتي مع عدنان أنه لا يعرف إمكانياتي جيداً، لذلك فهو يتهمني دائماً بالتقصير، أو أنه يعمد إلى تنبيهي دوماً إلى ما يجب القيام به.

علماً بأنه لو يتركني أعمل لوجدي فسأكون من المبدعين.. والتفت إلى ركن آخر من المنزل ففوجئ برسم بالحجم الطبيعي لشخص مقطب الجبين.. لا ليس رسماً لأنه يتقدم نحوه فاستجمع شتات شجاعته الآخذة بالتبخر تدريجياً وصرخ به: من أنت، وكيف دخلت إلى منزلنا؟

وكانت اللكمات واللكمات فقط هي الرد على سؤال عبد الله، لتنتهي المعركة بوصول رجال الشرطة الذين اقتادوا الجميع إلى المركز، وباشروا التحقيق مع عبد الله فوراً حول سر اقتحامه لمنزل شخص آخر! .

خالد اللوباني