على الرغم من كونه ليس الأكبر بين الأولاد في الأسرة إلا أن الجميع قد اعتاد على وضعه في هذا المقام لجهة القيام بالمسؤوليات العائلية المختلفة وخاصة تلك التي تتطلب جهداً ومتابعة دؤوبة، ولم يتذمر عدنان بدوره يوماً من أداء هذه الواجبات.
كما لم يبادر بالشكوى من أي منها إلى الحد الذي تكونت لدى أشقائه قناعة مطلقة مفادها أنه يستمتع بهذا الدور ما دفعهم إلى الإمعان في الاتكال عليه في كل شيء حتى في شؤونهم الصغيرة التي كان يؤديها بحب وعن طيب خاطر..
انكسار الشعاع على سطح ما في نهاية المطاف هو قدره وقدر كل الأشياء، إلا أن ذلك لا يعني مطلقا النهاية لهذا الشعاع، بل تغيير مسار واتجاه ليس إلا وهو ما لا يدركه البعض فيخرجون ما في أعماقهم الى السطح والذي غالباً ما يكون معاكساً للمشهد الذي كانوا يقدمونه يومياً تجاه الشعاع.. المنكسر.
إحساس بالدونية مغلفٌ بشعور بالعظمة هي السمة الرئيسية التي يتحلى بها المدير الجديد الذي تسلم مهام إدارة الشركة التي يعمل بها عدنان، فقد كان معنياً ومنذ البداية بفرض سيطرة مطلقة على الجميع والتدخل حتى في أبسط التفاصيل، اعتقاداً منه بأن ذلك يتيح له تحقيق ذاته.
وبالتالي كانت المواجهة بينه وبين عدنان مسألة وقت ليس إلا، انطلاقاً من كونه مبرزاً في القسم الذي يعمل فيه، وانتهى الأمر بعدنان فاقداً لوظيفته .. وها هي أيام تمر عليه والبحث عن عمل هاجسه اليومي، وأفراد الأسرة جميعاً كانوا في البداية مقتنعين بأنه سيجد فرصته الجيدة، مستندين على أمنيات بداخل كل منهم كونهم سيخسرون الكثير من خدماته التي كان يقدمها وهو على رأس عمله.. الأيام تطول كثيراُ وتتقلص رحلات عدنان في البحث عن عمل جراء يأسه من حصوله على فرصة جيدة.
أو عملاً أدنى من طموحه بكثير، وتعمق الإحباط شيئاً فشيئاً عندما أخذت الأضواء تنحسر تدريجياً عنه من قبل أشقائه الذين باتوا يرونه عبئاً يجب التخلص منه، كما لم تدفعهم أوضاعهم المادية الجيدة والآخذة بالتحسن من محاولة تقديم المساعدة له.
ـ ألا ترون معي بأنه مقصر كثيراً في البحث عن عمل؟ بهذا السؤال (الجواب) افتتح سمير شقيق عدنان جلسة نميمة مسائية ضمت الشقيقين الآخرين ياسر ومحمود منتهزين فرصة غيابه عن المنزل الذي كان بالكاد يفارقه في الأيام الأخيرة.
ـ وبصراحة فهو لا يخجل من حالة الاتكال علينا في مصاريف المنزل أيضاً، بتأفف شديد خرجت هذه الكلمات من فم محمود وكأنها أيضاً كرة ألقاها في ملعب الشقيق الثالث ياسر حتى لا يبقى متحفظاً في الحديث بما يشبه التوزيع لدم عدنان بين القبائل، وتلقف ياسر الكرة قائلاً بأن الوضع قد أصبح من الصعب السكوت عنه..
فكان هناك المزيد من الضغط والإهمال لعدنان، الذي اعتمد مبدأ القفز قي الفراغ ..إما أن يسقط على مكان ينقله نحو الأفضل، أو ينحدر به الى الدرك الأسفل.. عموماً ليس لدي ما أخسره همس لنفسه.. ، فقدم الى الإمارات بحثاً عن عمل متحملاً الكثير من الظروف الصعبة وعلى رأسها نقص المال الذي كان يجعله يمضي الى الكثير من مقابلات العمل سيراً على الأقدام، وكانت خبراته الكبيرة في مجال الإدارة المدخل لحصوله على عمل جيد، بل وتطوره الوظيفي السريع.. وفي خضم معمعة العمل رن جرس هاتفه الخلوي
ـ ايوه عمي.. جاءت هذه الكلمة الودية جداً من شخص مضت أشهر طويلة لم يسمع صوته، كما كان ذات يوم لا يبادره إلا بجبين مقطب وملامح وجه تتداخل فيها القسوة مع الاشمئزاز، إنه شقيقه الأكبر ياسر
ـ أهلاً ، رد عدنان باقتضاب.
ـ هكذا يا رجل لا تفكر بالاتصال بنا رغم اشتياقنا الشديد لك
ـ سأحادثكم لاحقاً.
وكانت مفاجأة كبيرة له بعد أقل من شهر على هذه المكالمة، وهو يلج من بوابة البناية التي يقطنها حيث قال له الناطور بأن ضيوفاً جاءوا لزيارته ينتظرونه في غرفة الناطور، وعندما أطل عدنان برأسه في الغرفة التي تفوح منها رائحة الكاري والزنجبيل وزيت جوز الهند بادرته ثلاث وجوه مبتسمة بالقول: أهلاً عمي لم يعد عملنا مجدياً في الوطن فحضرنا إليك هنا لتدبر لنا أعمالاً جيدة.. إنهم ياسر ومحمود وسمير.. ابتسم لهم والمرارة تعتصر قلبه وهو يتمتم: لم يدركوا أنها ليست النهاية بل مجرد تغيير اتجاه فقط!!
خالد اللوباني
