حمل حقائبه التي اكتظت بذكرياته باتجاه المطار .... يملؤه الحنين الى الوطن بعد غياب استمر 8 سنوات .... زار خلالها بلده فترات متقطعة لم تكن ترضي اشتياقه العميق لأحبائه وأسرته .... وفي كل مرة كان يترك الوطن باتجاه الغربة يشعر بأن قدميه ثقيلتان وأن شيئا ما يدفعه للسفر .... دون رغبته الحقيقية .....لعلها الحالة الاقتصادية الصعبة التي يمر بها بلده والديون التي كانت تثقل كاهله وتجبره على الاغتراب.

لكن هذا العام كان قد اتخذ قراره بعدم العودة حتى انه فكر بالاستقالة من عمله وبيع سيارته وكل شيء يمتلكه في الغربة ...... إلا أن احد أصدقائه المقربين وجه له النصيحة بالتريث قليلا خاصة وان معظم القادمين من بلده يشتكون الأوضاع الاقتصادية الصعبة هناك وصعوبة العيش ...... مشيرا عليه بالسفر الى هناك والتعرف على الأوضاع عن قرب والبحث عن عمل مناسب وترتيب اموره وفي حال تمكن من ترتيب اوضاعه فإن بإمكانه العودة .

نسمات من الهواء العليل استقبلته منذ اللحظة الاولى لخروجه من الطائرة ووصوله الى ارض المطار ..... اعادت اليه تلك النسمات ذكريات لا يمكن ان تعود لكنها محفورة في مخيلته بالرغم من مرور السنوات التي قضاها في الغربة .... نسمات باردة ذكرته بخصلات شعر حبيبته هالة عندما كانت تحركهما الرياح وهما يسيران باتجاه الجامعة وزخات المطر الاولى مع بداية فصل الشتاء .... ورائحة الأرض الزكية عندما يبللها المطر في أول قطراته .

لكنه لم ينس ابدا ان هالة ايضا كانت السبب الرئيسي الذي دفعه الى الهروب والبحث عن بلد آخر يعيش فيه بعيدا عنها ..... فكيف يمكن ان يجمعها بلد واحد بعد ما فعلته به .... لقد تركته مع أول عريس يتقدم لخطبتها بعد ان كانا متفقين على الزواج بعد انهاء دراستهما لكنها لم تكن تثق بكلامه ولم تصبر على وعده ..... لعلها اقتنعت بكلام صديقاتها المقربات بأن الوعود لا يمكن ان تتحقق وان عصفور في اليد أحسن من 10 على الشجرة .

اكثر من 8 سنوات مرت على هذه الحادثة وبالرغم من ذلك فان السنوات والغربة لم تستطع ان تدمل جراحه وتلملم أحزانه الدفينة.

كان ينظر من بعيد لأسرته وأصدقائه في قاعة المطار باشتياق ولمح نظراتهم تتفحص الحقائب الكبيرة التي كان العامل يجرها خلفه .... كانت نظراتهم تفضحهم .... وكأن جل ما كان يشغلهم هو ماذا احضر لهم من بلاد الغربة وهل نسي طلباتهم؟ لكن شوقه لهم كان يمحو اي ضغينة يمكن ان يحملها قلبه.

مرت أيام الإجازة مسرعة .... كدقات قلبه التي كانت ايضا تتسارع كلما زار الأمكنة التي كانت تجمعه مع هاله .... وفي قرارة نفسه تمنى لو انه يراها لكنه كان يخاف من تلك اللحظة .... الى ان جاءه القدر بما يريد .. صحيح انه لم يرها لكن الصدفة حملت اليه اخبارها التي كانت انقطعت عنه منذ سفره الى الخارج فقد التقى بأروى احدى زميلاته منذ ايام الدراسة ...... تحدثت اروى عن كل شيء وسألته عن كل شي وهو صامت بانتظار ان تتفوه بأي شيء يخص هالة الا انها خيبت أمله فسألها بتردد وكأن الأمر لا يعنيه: صحيح ما أخبار هاله زميلتنا؟ هل لديها أولاد ؟ اين تعمل الآن؟ فأجابت: هاله لم تتزوج؟.

لم تتزوج .. قالها وقد ارتسمت على وجهه المفاجأة: ما الذي تقولينه ... لقد خطبت ونحن في الجامعة وأخبرتني هي بذلك.

أجابت: المسكينة .. صحيح تمت الخطبة لكن خطيبها تركها بعد حوالي 4 شهور بسبب خلافات حدثت بينهما ... وتساءلت اروى: كيف لم تعلم بذلك وأنت وهالة كنتما صديقين مقربين؟.

فأجاب: صحيح اننا كنا اصدقاء لكنني قطعت علاقتي بها بعد خطبتها وقررت الا اجيب على اي من اتصالاتها وبعد التخرج غادرت البلد وعملت في الخارج وكل ظني انها تزوجت.

فابتسمت اروى وهي تمازحه: لا لم تتزوج حتى الان واذا كنت انت ايضا لم تتزوج فلماذا لا تتقدم لخطبتها .... سأعطيك رقم هاتفها لتسأل عنها .

سجل رقم هاتف هالة وعلى الفور قرر الاتصال بها وقد عاد الامل اليه بأنهما خلقا لبعضهما وان القدر سيجمعهما مرة اخرى .... عله يراها ويرتبطان معا هذه المره الى الابد ....واخذ يرسم الاحلام التي تمناها مع هاله ويشعر انها تقترب من التحقيق ...

ادار الرقم فأجابه على الطرف الآخر صوت امرأة عجوز: هالة تزوجت منذ اسبوع وغادرت مع زوجها الى كندا .... عقبال عندك يا ولدي.

ماجدة ملاوي