رغم كل الصخب الذي تحدثه دوماً في المكان، وردودها الجاهزة اللاذعة على أي موقف يحدث أمامها، والذي يدخل الفرحة الى قلوب الجميع، رغم كل ذلك فقد كانت تخفي خلف هذا الضجيج قلباً يقطر رقة وعذوبة وشخصية يحفها الأدب والتهذيب من كل الجهات، الأمر الذي جعلها غير قادرة على قراءة المخططات التي تقطر خبثاً من زميلتيها اللتين لا تتعبان من حياكة المؤامرات بحقها وحق غيرها من الزملاء والزميلات.
وكثيراً ماكانت «جميلة» بذكائها المعروف تقبض عليهن متلبسات في محاولة جرها الى أحد المطبات مع زميلة أخرى، إلا أن طيبة قلبها المعهودة أيضاً كانت تجعلها تشكك فيما قاده اليها عقلها الراجح وتجربتها المرة السابقة مع هاتين المدمنتين على صناعة الشر، وتتجاهل ما بدر منهن، ليعودا في مشهد لاحق إلى تكرار محاولاتهن تحريك الفتن في المكان.
ـ لماذا لم تشملك الترقية يا صالح أسوةً براشد رغم أنك تملك كفاءة أكثر منه؟ ألقت سميرة بسؤالها على صالح وهي لم تكد تضع حقيبتها بعد على مكتبها
وتهمس جميلة لصديقتها آمنة قائلة.. لقد بدأت صناعة الفتنة بين راشد وصالح مبكرة.
صالح الذي اطرق يرأسه حزناً، قال عقب لحظة صمت: أنا مندهش فعلاً لماذا تجاهلوني رغم أن تعييني في الوظيفة كان في اليوم نفسه لتعيين راشد، ثم خرج من الغرفة .. وفي سيناريو لم يثر دهشة جميلة وآمنة نظراً لتكراره مرات عديدة، انتحت سميرة جانباً براشد الذي دخل منذ قليل وسمعتاها تقول له بأن صالح يشعر بالغيرة الشديدة منه بسبب الترقية رغم أنه لا يستحقها مثله.
وتابعت جميلة وآمنة توالي المشاهد وتنقل سميرة بين صالح وراشد الى أن اختتم ذاك اليوم باشتعال النيران بين الطرفين وحصول القطيعة بينهما وسط ابتسامات مضمخة بالخبث من سميرة، ولا تعود العلاقة مجدداً الى سابق عهدها بينهما إلا بعد أن اكتشفا الدور غير النظيف الذي لعبته سميرة بينهما.. ولكن الموقف لم يشكل عظةً لزكريا ومحمود اللذين نجحت سميرة في جرهما الى مواجهة مباشرة تلتها قطيعة طويلة رغم مشاهدتهما للأحداث التي عصفت بعلاقة صالح وراشد على يدي .. محرك الفتن (سميرة)..
وجميلة التي فقدت أحد أجنحتها خلال الفترة الماضية بزواج صديقتها آمنة، كانت الدنيا لا تتسع لفرحتها وهي تنجز ترتيبات زواجها القريب من أحد معارف الأسرة، هذه الفرحة التي جعلتها غافلة عما يحاك لها من صانعتي الشر سميرة ونعيمة في الشركة التي تعمل بها.
كما لم تكن متنبهة لنظرات الحسد والغيرة التي ترمقانها بها وهي تروح وتجيء موزعة الفرح في كل مكان كعادتها والذي زادته أضعافاً فرحتها الكبرى بالزواج المنتظر، فالطيبة وعدم انتباهها لما تضمرانه وتخفيانه في الأروقة المعتمة لنفس كل منهما دفعها للقيام بواجب دعوتهما الى حفل زفافها، هذا الواجب الذي لم يكن ذا معنى مع امثالهما وهذا ما تأكدت منه منذ اللحظة الأولى لوصولهما الى المكان حيث بدأت عيونهن الفاحصة بالتنقل والتحرك في كل مكان للوقوف على تفاصيل كل ما يجري، ثم جلستا بجانب بعضهما لتبدأ عملية تقطيع الحضور وسلخ جلودهن..
انظري الى تلك المرأة لابد أن فستانها صنع في العصر الحجري.. انظري الى هذه ألا ترين أن ما تلبسه لا يناسب سنها .. الالتفات يمنةً ويسرة أصابهما بشد عضلي في رقبتيهما، حيث أطلقت نعيمة صرخة ألم طفيفة جراء ذلك، فقالت لها سميرة لا تخشي شيئاً فهناك خبيرات بالتدليك في النادي المجاور لمنزلي لا يأخذ أمرك بين أيديهن سوى دقائق، تابعي ولا تخشي شيئاً..
اليوم الأول لعودة جميلة من إجازة شهر العسل لم تكن لتمر دون ضجيج فمنذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدميها في المكان تناهى الى سمعها صوت مشادة حامية بين نعيمة وسميرة حيث تعاتب نعيمة نصفها الآخر سميرة على قيامها بسلخ جلدها امام زميلة أخرى عندما غابت لمدة يومين، حيث سمعتها جميلة تقول لسميرة: ألم تجدي أحداً غيري لتقطعيه.. سامحك الله..
فردت عليها: ماذا أفعل ضعي نفسك في مكاني، فإحداهن أخذت إجازة ولادة، وأخرى إجازة زواج، وثالثة لأداء امتحاناتها الجامعية، فمن سيتحملني غيرك يا صديقتي العزيزة؟ .. تأملت نعيمة نصفها الآخر بعمق، ثم توجهت الى جميلة قائلة.. كأن «ماكياجك» يوم العرس لم يكن جيداً لأن شقيقة العريس كانت مستاءة من ذلك كثيراً، كما قالت لي آنذاك.. ورمقت صديقتها سميرة بنظرة ذات معنى..!!
خالد اللوباني
