سمى الله نفسه الحق ليعلم عباده أن الحق كل الحق في الإيمان به والتوكل عليه وتسليم الأمر له والخضوع إليه والثقة في عدله وفضله. وقد ورد هذا الاسم المقدس في القرآن الكريم عشر مرات، في كل مرة نرى معنى من معانيه، من خلال سياق الآية التي ورد فيها، فأسماء الله الحسنى تتعدد معانيها بتعدد ورودها في القرآن بحسب المعاني التي يؤكدها كل اسم منها.
فهو الحق في ذاته وصفاته وأفعاله والمتجلي بأنوار جلاله وجماله على سائر مخلوقاته. وهو الحق في الوهيته، إذ لا شريك له في ملكه ولا مدبر معه في أمور خلقه. وهو الحق المتيقن وجوده في قلوب أوليائه لا يلتبس لأدنى شبهة باطل. وهو الحق الذي أحق الحق وأبطل الباطل، وحكم بين عباده بالحق، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. وهو الحق المطلق الذي يأخذ منه كل شيء حقيقته، فلا وجود لشيء إلا به، ولا حقيقة لشيء موجود في الوجود إلا وهي مستمدة من وجوده، فكل شيء بقدرته كان ويكون، وأمره بين الكاف والنون.
والمفسر البصير ينظر في الآية التي يريد تفسيرها أولاً، فيقلب الفكرة في أولها وأواسطها وأواخرها ثم ينظر في سوابقها ولواحقها ثم ينظر في موضوعها العام، ثم يلقي نظرة على موضوعات السورة ككل فإنه إذا فعل ذلك كله سيجد لكل حرف من حروف الآية معنى في غيره، وكل اسم ورد فيها له دلالة خاصة قد يبصرها من أول وهلة وقد يبصرها بعد طول تأمل، وقد لا يبصرها فالحق في هذه الآية: هو القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يقضي بين عباده بالحق، وقد كتب عليهم الحق: وهو الموت فلا مفر لهم منه ولا مما بعده من حساب وجزاء.
والمراد بالحق في هذه الآية: الحقيق بأن يعبد ويطاع بدليل قوله تعالى في ختام الآية: (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي: غاب عنهم ما كانوا يزعمون من آلهة باطلة، هم يعلمون أنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر فعبدوها من دون الله فباءوا بالخسران المبين في الدنيا والآخرة.
والحق معناه: مدبر الأمر بالحق وفق علمه المحيط بكل شيء وإرادته النافذة في كل شيء وقدرته التي لا يعجزها شيء بدليل الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون).
ويقول سبحانه وتعالى: (هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقبا). ويقول عز من قائل: (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير).
رجاء علي