رغم أنني كتبت المئات من القصص الإنسانية وقصص الجريمة إلا أنني عجزت عن تصنيف هذه القصة فلا أدري إن كانت جريمة أو قصة إنسانية. ومع أنني كنت دائماً أقول رأيي بقوة في القضايا التي كنت اشترك بالتحقيق فيها إلا أنني لم أعط رأيي في هذه القضية فمرة أجد نفسي متعاطفاً مع القاتل، وأجد له المبرر، ومرة أخرى أمقته لأنه قتل نفساً بغير نفس.
وفي آخر مرة جلست فيها مع لجنة التحقيق انسحبت بعد نحو (15) دقيقة وعندما سألني رئيس الجلسة لماذا تنسحب قلت له، لأنه ليس لي رأي محدد فيها، وبعد أن خرجت ببرهة تبعني زميل آخر وقال لي إنني أشعر بنفس مشاعرك فلا أدري أهذا الشاب بريء أم مذنب؟ ولكني على أية حال أشعر بتعاطف معه. ومع أن القاعدة تقول إن على الإنسان خاصة في مثل مواقعنا أن يحكم عقله، قبل قلبه وعواطفه إلا أنني بشر ولا أستطيع أن أكون غير ذلك.
زمالة في العمل
عندما تخرج من الجامعة بدأ يبحث عن عمل عبر «النت» وأخيراً وجد إعلاناً من إحدى الشركات تطلب محاسباً شاباً على أن يجيد الانجليزية والتعامل مع الحاسب الآلي، وجد الشاب فرصة في ذلك حيث قدم إلى الوظيفة وبعد أقل من شهر تمت إجراءات استقدامه، وتعيينه في شركة كبيرة للمقاولات الهندسية كان الشاب مجداً في عمله، وبسرعة كبيرة نال ثقة رؤسائه وزملائه في العمل.
إلا أن مشاعر (س) كانت غير ذلك فقد أحبته، بكل جوارحها حتى أنها عندما وجدت بأنه لم يتخذ خطوة ايجابية قالت له بصراحة بأنها تحبه وتفكر فيه ليل نهار وتريد الارتباط به، كانت (س) فتاة جميلة فلماذا يمانع الرجل من الارتباط بها؟ وهكذا كان. مرت الأيام حلوة بين الزوجين فقد كانت حياتهما مستقرة أنجبت خلالها (س) طفلاً وطفلة، إلا أن تلك الأيام الجميلة لم تستمر طويلاً فقد مات الرجل بحادث سيارة تاركاً خلفه زوجته وابنه وابنته.
كانت الصدمة كبيرة على (س) لكن زملاءها في العمل وقفوا معها وحاولوا مساعدتها مادياً ومعنوياً إلا أن تلك المساعدات بدأت تتلاشى، فكل إنسان له مشاغله ومشاكله وهمومه. لكن الذي أثر سلباً على (س) وغير حياتها هو أن الشركة أنهت مشاريعها الهندسية وأعطت موظفيها إنذارات لمدة ستة أشهر حيث ستعود إلى مقرها في هامبورغ بألمانيا. حاولت (س) أن تجد عملاً لكنها لم توفق في ذلك رغم أنها كانت تجد وظائف مؤقتة في بعض المشاريع الصغيرة ولكن تلك الوظائف لم تكن وظائف ثابتة.
تغير كامل
بدأ (ر) وأخته (ع) يلاحظان أن أمهما (س) لم تعد تبحث كثيراً عن العمل كما كانت في السابق ومقابل ذلك بدأت تهتم بنفسها بشكل واضح، حيث كانت تستقبل في البيت بعض الأصدقاء الذين كانوا يسهرون معها في ساعات الفجر الأولى. وعندما سألها ابنها (ر) عن هؤلاء الرجال قالت له لا تقلق بشأنهم فهم كانوا زملاء العمل في الشركة التي كان يعمل فيها والدك وهم يأتون لزيارتي والاطمئنان عليَّ وعليكم.
في بعض الأحيان حاول (ر) أن يدخل إلى الغرفة التي يسهرون فيها إلا أن والدته، منعته، من ذلك قائلة له عليك أن تذهب وتنام باكراً حتى لا تتأخر عن مدرستك. كان (ر) غير مطمئن إلى هذه الزيارات لكنه لم يكن يملك سبيلاً لمنعها فهو في الصف التاسع وأخته في الصف السابع.
في إحدى الليالي استقبلت والدته أصدقاءها كالمعتاد وطلبت منه هو وأخته أن يذهبا إلى غرفتهما، بعد مضي ساعات على دخول الرجال سمع (ر) ضحكات عالية تتسلل من شباك الغرفة التي تسهر فيها أمه مع الرجال وشاهد منظراً هز كل مشاعره وأصابه بدوران في رأسه فقد شاهد أمه بين يدي أحد الرجال وهو يقبلها. تملكه شعور جارف من الغضب لكنه لم يفعل شيئاً وبقي ساهراً في غرفته حتى ذهب آخر الرجال ثم ذهب إلى أمه حيث وجدها لا تزال تشرب وتدخن وفي ملابس تكشف كل جسدها.
وقف (ر) صارخاً في وجهها وقال لها لقد رأيت كل شيء، لقد رأيتك وأنت في أحضان أحد الرجال فما كان منها إلا أن صفعته على وجهه قائلة له إياك أن تعود إلى هذه الأمور وأن تتجسس علي مرة ثانية. جثي (ر) على ركبتيها راجياً إياها أن لا تستقبل هؤلاء الأشرار مرة ثانية، فقالت له إن لم أفعل فمن أين سنعيش وندفع أجرة البيت والمدارس والمصاريف، وقال لها أنا سأعمل فردت عليه وهل أحد في عمرك سيجد وظيفة وأنت مازلت في الصف التاسع، ثم ماذا ستعمل وكم ستحصل من النقود؟ نظرت المرأة إلى ابنها وقالت له اهتم بدراستك فقط.
نزلت هذه الكلمات كالسوط على قلب وعقل ومشاعر (ر) فهذا يعني أن أمه ستستمر في استقبال ضيوفها.
ذهب (ر) إلى غرفته وهو يفكر كيف يتخلص من ضيوف أمه، وأخيراً وجد بأن أفضل طريقة هي أن يمنعهم بالقوة. في الليلة التالية جاء بعضهم حيث كان (ر) في استقبالهم على الباب شاهراً سكيناً في وجوههم، وقال إياكم أن تأتوا إلى هنا، في هذا الوقت خرجت أمه مرحبة بضيوفها وعندما علمت ما حصل من ابنها أنبته أمامهم وطلبت منه أن يعتذر لهم، لكنه رفض قائلاً لا أعتذر إلى كلاب فما كان من أحدهم إلا أن صفعه على وجهه، صفعة جعلته يصرخ من الألم.
تحولت حياة (ر) وأخته التي باتت تدرك ما يحدث في البيت إلى جحيم فهما يشعران بأنهما مسلوبا الإرادة ولا حول ولا قوة لهما، ثم أنه ليس لهما أقارب ليذهبا إليهم. في إحدى الليالي أخذ (ر) أخته وقررا ترك البيت احتجاجاً على ما يحصل فيه لكنهما عادا إليه خائفين من ظلمة الليل فهما لا يعرفان أين يذهبان. وسط هذه الأجواء المحبطة قرر (ر) أن يستسلم حتى يكبر بعض الشيء ثم يأخذ أخته ويعيش معها في مكان آمن، أصبح (ر) وأخته متلاصقين فكل منهما يجد حياته مع الآخر ويجدان الأمان عندما يكونان معاً.
الوحش
في إحدى الليالي عاد (ر) متأخراً إلى البيت فقد كان يشاهد مباراة في كرة القدم مع أحد زملائه ذهب إلى غرفة أمه فلم يجدها ثم ذهب إلى غرفته حاول فتح الباب لكنه لم يتمكن فقد كان مغلقاً من الداخل طرق الباب وبدأ ينادي على أخته وأخيراً فتحت له ثم أقفلت الباب بسرعة، سألها (ر) عن سبب خوفها وعن شحوب وجهها فقالت له إن أحد الرجال الذين يزورون أمها حاول التحرش بها وعندما شتمته ضربها على وجهها. أحس (ر) بأن الدنيا لم تعد تتسع لغضبه خاصة عندما عرف من أخته بأن أمه كانت حاضرة عندما تحرش الرجل بها وأنها لم تدافع عنها.
انتظر (ر) حتى عادت أمه من سهرتها وطلب منها تفسيراً لما حدث مع أخته، فقالت له ورائحة الخمر تنبعث من فمها بأنه لم يحدث ما يسبب كل هذا الغضب وأن الأمر بسيط جداً فالرجل أبدى إعجابه بها لأنها أصبحت فتاة ناضجة.
صرخ (ر) في وجه أمه وقال لها لا يمكن أن تكوني أمنا فما كان منها إلا أن شتمته وانصرفت إلى غرفتها قرر (ر) أن يضع حداً لهذه المهزلة، حيث انتظر في الليلة المقبلة عندما حضر الرجل الذي حاول التحرش بأخته وهجم عليه بالسكين ما تسبب في جرحه في يده، لكن الرجال الآخرين أبعدوه بعد أن أشبعوه ضرباً.
طلب (ر) من أخته أن تكون حريصة على نفسها وأن تغلق باب غرفتها عليها عندما لا يكون هو في البيت.
في إحدى الليالي عاد (ر) وعندما سأل عن أخته لم يجدها بحث عنها في البيت فوجدها في الحمام وقد أغلقت الباب على نفسها.
طلب منها (ر) أن تفتح وعندما شاهدها صعق من هول ما رأى فقد شاهد ذراعها اليمنى تنزف دماً وعندما سألها عن ذلك قالت له بأنها تحاول الانتحار ولا تريد الحياة، فقد أخذتها أمها إلى الرجل ذاته وطلبت منها أن تكون لطيفة معه وعندما حاول الاختلاء بها خافت وبدأت تصرخ وتطلب من أمها مساعدتها لكن أمها تركتها بين يدي ذلك الوحش محاولاً افتراسها.
وأضافت الفتاة أن الوحش حاول معها لكنها كانت تهرب منه وأخيراً صفعها على وجهها وانصرف. لم يصدق (ر) أن أمه يمكن أن تكون قاسية القلب إلى هذه الدرجة لكنه عندما ذهب إليها يعاتبها على فعلتها والسماح لرجل غريب أن يعتدي على ابنتها قالت له إن أختك لم تعد صغيرة ولو تزوجت لأنجبت أطفالاً. وأضافت أنها كبرت في السن ولم تعد مرغوبة من الرجال وأن الفتاة هي الكنز الذي يمكن استغلاله حتى لا يذهب الرجال من البيت.
شعر (ر) بصدمة كبيرة وبخوف على حياته وحياة أخته وأصبح البيت الذي من المفترض أن يجد فيه الأمان والطمأنينة بيتاً للرعب والأشباح.
المأساة
في أحد الأيام عاد (ر) من المدرسة فذهب إلى غرفة أخته ليطمئن عليها، فقد كانت مريضة وبقيت في البيت ولم تذهب إلى المدرسة، عندما دخل (ر) على أخته وجدها شبه ميتة، وعندما سألها عن حالها لم تتكلم وبدأت المسكينة تبكي، أخذها (ر) في حضنه وحاول طمأنتها بأنها ستكون بخير لكنه لاحظ سجحات على وجهها وذراعيها، انتفض (ر)
وقال لها: هل جاء ذلك الرجل إلى البيت؟ فهزّت رأسها بنعم، سألها وهل حدث شيء؟ وقبل أن تجيب بدأت تبكي. أخذ (ر) أخته في حضنه وبدأ يبكي هو الآخر، قال لها: ماذا حدث؟ فأخبرته بأن الرجل حضر إلى البيت وكانت أمها معه، ثم قالت الأم للرجل «الآن هي لك» ثم أغلقت الباب وخرجت. وأضافت الفتاة أنها حاولت أن تدافع عن نفسها لكنها لم تتمكن حتى مرضها لم يشفع لها وحدث ما حدث. لم يصدق (ر) أن أمه يمكن أن تفعل كل هذا من أجل المال.
عودة المدمنة
ربّت (ر) على كتف أخته حتى نامت ثم خرج ينتظر أمه حتى تعود في ساعة متأخرة من الليل، فجاءت تفوح من فمها رائحة الخمر وتقدم منها وسألها عمّا حدث، حاولت أن تنهره لكنه قال لها أريد أن أعرف لماذا فعلت بأختي هذا؟ فقالت له حتى أحصل على الفلوس التي أشتري بها الكوكايين، فهؤلاء الرجال جعلوني مدمنة حتى يستبيحوا جسدي.
قال لها: وما ذنب أختي حتى تتعذب؟ فقالت له: أنا أعرف أنها تتعذب لكنني أنا أيضاً أتعذب ولا أستطيع العيش من دون كوكايين، والكوكايين يحتاج إلى المال فلا بأس إن ضحّت أختك بنفسها من أجل أمها. قال لها (ر): لقد ضحّت فعلاً، فقد حاولت أن أوقظها قبل نصف ساعة لكنني وجدتها قد ماتت، اذهبي وتأكدي بنفسك لقد ماتت، لقد قتلها ذلك السافل والسبب هو أنت.
استدارت الأم ذاهبة إلى غرفتها فلم تكلف نفسها حتى الذهاب إلى غرفة ابنتها التي فارقت الحياة، فما كان من (ر) إلا أن أمسك سكيناً وغرسها في ظهرها وقعت المرأة على وجهها وبدأت الدماء تنزف منها. اتصل (ر) بالشرطة طالباً منهم الحضور إلى البيت. وعندما حضرت الشرطة وجدت المرأة فارقت الحياة، وعندما بحثت عن (ر) وجدته ممسكاً بيد أخته يقبلها ويبكي.
تم نقل جثة المرأة وابنتها إلى المختبر الجنائي في حين أخذ (ر) إلى المركز للتحقيق معه حيث روى أثناء التحقيق القصة كما رويتها لكم. بعد 48 ساعة وقف (ر) أمام القاضي، حيث اتهمه الادعاء بأنه قاتل رغم صغر سنه الذي لم يتجاوز الـ 14 عاماً. أما محامي الدفاع فقد قال إنه بريء حاول الدفاع عن عرض أخته الذي انتهكه وحش بشري. وقدم المحامي تقريراً من المختبر الجنائي يفيد بأن الفتاة توفيت نتيجة النزيف بسبب الاعتداء عليها.
نظر القاضي إلى (ر) فوجده خائفاً مرتعباً لا يكاد يقف على قدميه، وسأله لماذا قتلت أمك فأجاب بصوت خافت أنا أريد أن آخذ أختي وأذهب من هنا، كرر القاضي السؤال، فما كان من (ر) إلا أن جلس على الأرض وهو يقول أريد أن آخذ أختي وأذهب من هنا. لم يستطع الكثير من الحاضرين أن يخفوا دموعهم وهم ينظرون إلى هذا المسكين المغلوب على أمره خلف القضبان. أمر القاضي بتحويل (ر) إلى المصحة النفسية وضرورة معاملته برفق.
إعداد أحمد سلطان
