بصعوبة شديدة نجح الجيران في انتزاع الصبي الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره بعد من يدي والده الذي كان يلكمه بكلتا يديه، وعندما يصيبهما الإنهاك يبادر إلى استعمال قدميه بركل الفتى الذي لم يكن أمامه من وسيلة للدفاع عن نفسه أمام الهجوم الكاسح من والده سوى البكاء والبكاء فقط..
الشيخ صلاح الجار الأقرب إليه اسقط في يده ولم يجد ما يقوله سوى كلمات قليلة لتهدئة الخواطر عندما عرف السبب الذي من أجله حدثت المعمعة الكبرى وكاد أن يذهب الفتى الصغير ضحية لها على يدي والده الذي قال للشيخ صلاح وهو يستعيد أنفاسه عقب المعركة: تصور يا شيخي أن ولدي رفض صباح اليوم أن يستيقظ من نومه لأداء صلاة الفجر حاضراً..
لحظات صمت أعقبت هذه القنبلة التي فجرها عبد القادر والد الطفل، تنحنح بعدها الشيخ وبدأ بإرشاد الوالد الى أن اهتمامه بتعليم ولده أصول الدين منذ الصغر غاية في الأهمية، إلا أن الأمر ينبغي أن يتم بالتدريج مع مراعاة سن الطفل حتى لا ينقلب الأمر الى الضد..
كان لهذه الكلمات فعل السحر على الجميع وخصوصاً الأم التي كانت تشاهد ولدها في قلب الأتون ولا تستطيع مساعدته.. الطفل الصغير الذي ارتسمت السعادة على وجهه عقب تأكده من أن الهجمة قد انداحت عاد وانكمش جراء نظرة والده له وهو يودع الشيخ صلاح الذي غادر بعد أن انتزع وعداً من عبد القادر بإنهاء الموضوع.. وبهدوء شديد وكأن شيئاً لم يكن طلب عبد القادر من زوجته إعداد طعام الإفطار له ريثما ينهي عملية الاستحمام، حيث مضت إلى مهمتها باستسلام وخنوع.
ـ لقد تأخرت أكثر من ساعتين عن عملك يا عبد القادر؟ سؤال وجهه له مديره في العمل بامتعاض جراء تكرار الأمر مرات عدة
وبابتسامة منكسرة وخنوع يرد قائلاً:ـ صدقني لقد ذهبت لتخليص معاملات لشركتنا، وقد تأخروا كثيراً في إنجازها
ـ ولكن ألا ترى معي أن الأمور زادت عن حدها، ولابد من حسم الأمر؟
ـ ماذا أفعل، الأمر ليس بيدي
ـ ولكنني اتصلت بهم وقال لي المحاسب أحمد بأنه لم ير وجهك اليوم
ـ صدقني أنني كنت هناك ولكنه لم يرني لأن المعاملات كانت عند سمير
ـ عموماً هداك الله وأرجو أن تنتهي الأمور سريعاً
ويهمس عبد القادر لزميله قائلاً وعلى وجهه علامات الانتصار :ـ لقد مر الأمر عليه كالعادة، ولكنه لم يتنبه إلى النظرات التي كان مديره يرمقه بها من خلف نظاراته الصغيرة وهو مندمج في همساته الى زميله، هذه النظرات التي نتج عنها رسالة إنهاء خدمات وضعت على مكتبه بعد هذا الحوار بأسبوعين عندما تكرر التأخير والغياب.
وتأكد للمدير أنه كان طيلة الفترة الماضية ضحية شخص مخادع أدمن الكذب بحرفية عالية، الأمر الذي جعله يرفض كل وسائل الاستعطاف والتوسل التي لجأ إليها عبد القادر لتغيير قرار المدير.
الأحزان التي عمت الأسرة التي لم تعرف السبب الحقيقي لإقالة عائلها من عمله انتشرت أخبارها في الحي ووصلت إلى سمع الشيخ صلاح الذي هاله ما سيؤول اليه مصير الأسرة جراء هذا القرار.
حيث قرر أن يتوجه في اليوم التالي الى الشركة التي كان يعمل بها عبد القادر، وكانت صدمة عنيفة تلك التي تلقاها عندما عرف سر الإقالة لجاره، هذه الصدمة لم تمنعه من الحصول على وعد من المدير بمنح عبد القادر فرصة أخيرة رأفة بأولاده..
الانكسار والانكسار فقط هو الذي كان يظهر في عيني عبد القادر وهو يجلس إلى جانب الشيخ صلاح في سيارته في طريق العودة بعد أن أدرك أن سره قد افتضح وسقط القناع، وآثر الشيخ الصمت طوال الطريق ولم يكلف نفسه عناء النظر في وجه جاره الذي كان ينظر إليه بشكل مختلف ذات يوم.
الصراخ والبكاء الشديد في ساعات الفجر الأولى كانا كفيلين بإيقاظ الشيخ صلاح الذي كان منبه ساعته البيولوجية على وشك الرنين أصلاً لأداء صلاة الفجر، وعندما عرف مصدر الصوت توجه الى منزل جاره عبد القادر الذي كان ينهال على طفله الصغير بالصفعات كي ينهض لأداء الصلاة..
تأمله الشيخ بعمق بعد أن انتزع الولد من براثنه ثم قال له.. أن تسعى لتعليم ولدك الصلاة أمر حسن ولكن عليك أن تعلمه الصدق أيضاً، فالتفت عبد القادر للناحية الأخرى حتى لا تلتقي عيناه بعيني الشيخ صلاح اللتين كانتا تحملان الكثير من المعاني..!!
خالد اللوباني
