بدأ توترها يزداد حين أمضت أكثر من ساعة تبحث عن طريق يخرجها من المتاهة التي دخلت فيها، فالشوارع الخالية من السيارات والمارة جعلتها تشك أنها قد دخلت في منطقة أشباح، ولافتات الطريق تشير إلى أسماء أماكن لم تسمع بها من قبل، ولم تنجح تخميناتها باتباع أيها في الوصول إلى أقرب نقطة دالة، أما قدراتها الجغرافية فهي تعرف أنها في أدنى المستويات لذا تجاهلت الاعتماد عليها، كيف لا وهي التي اضطرت أن تستعين بالشرطة لتصل إلى عرس إحدى صديقاتها الذي يقام في أكبر فنادق المدينة!.

كان زميلها يتفاخر أنه يستطيع تجنب الزحام بسهولة عبر طريق يلتف على الشارع الرئيس من خارج المدينة وقد طلبت منه أن يرشدها إلى الطريق فرسم خريطة واضحة كتب فيها اسماء جميع النقاط الدالة وهو يبتسم بغرور، فقبلت منه الخريطة واعترفت بقدراتها المتواضعة في معرفة الشوارع، وقد قررت أن تعرف هذا الطريق السحري حتى لو اضطرت أن تقضي كل يومها بحثا عنه، فبدأت بالابتعاد عن خطوط رحلتها اليومية لترسم خطوطا جديدة بدت لها واضحة جدا للوهلة الأولى لكنها شعرت بفخ المتاهة يلتهمها وهي تسير مأخوذة بجمال الكثبان الرملية وروعة الطبيعة البكر التي لم تلوثها المباني ولا المصانع ولا ضجيج السيارات.

لم يشكل لها الأمر مشكلة فهي تعرف أنها ستعود أدراجها إذا أرادت لكنها لم تشأ العودة لسببين، أولهما كان رغبتها بالعثور على الطريق السحري بعيدا عن الزحام، والسبب الآخر سحر المناظر التي لا يمكن أن تراها يوميا، فقد انتقلت من مناظر الكثبان الرملية إلى ما يشبه الواحة حيث مزارع النخيل وعناقيد الرطب التي تلمع كأقراط ذهبية، تخيلت نفسها تعيش في إحدى تلك المزارع بعيدا عن المكاتب والحاسبات والأرقام التي تصدع رأسها يوميا، لكن حرارة الشمس أيقظتها من ذلك الحلم فقد أدركت أنها لا تستطيع احتمال هذا الجو الحار، فكرت لو أنها تجد أحدا يرشدها إلى الطريق، لكن الظهيرة القائضة لم تشجع أحدا على الخروج كما يبدو، فكرت أن تقف أمام باب أحدى المزارع وتطرقه لعل مجيبا يدلها على الشارع العام، لكنها لم تتعود طرق أبواب لا تعرفها ولا تعرف ما الذي تخبئه الأبواب، وانتبهت إلى أنها مرت على هذا المكان قبل قليل فعرفت أنها تدور في حلقة لذا لابد من وجود مخرج منها.

لم تشأ أن تتصل بوالدتها فهي ستجعلها قلقة ولن تتلقى منها غير اللوم والنصائح التي لا تنفع في هذا الوقت، هل تتصل بالشرطة؟ كيف ستحدد لهم مكانها؟، لا لا الأمر لايستدعي كل هذا، حاولت أن تجد مخرجا من المنطقة فلا تعود في الطريق نفسه لذا دخلت في فرع صغير على يمين الطريق وفاجأها أن الشارع العام أمامها ولا تفصلها عنه سوى كثبان رملية لابد أن تجد طريقة لتجتازها.

استمرت في الشارع متفائلة به فهو شارع اسفلتي منظم لا تخاف من توقف سيارتها الصغيرة فيه، شاهدت على جانب الطريق لوحات تحذر من حيوانات يمكن أن تعبر الشارع، لذا قادت سيارتها بهدوء وهي تعرف أنها صارت قريبة من الشارع العام، لكن المصائب لا تأتي فرادى، فمع ساعتين من الضياع في الطريق وشعورها بالعطش حيث نسيت قنينة الماء في المكتب، فاجأها جملان يفوقان سيارتها ضخامة قررا النزهة على الطريق الاسفلتي، أصابها الفزع فأوقفت سيارتها بعيداً عن مرمى نظر الجملين بانتظار أن يأتي من ينقذها أو تنتهي تلك النزهة المفاجئة لسفن الصحراء.

كانت الدقائق تمر بطيئة فنصف ساعة انقضت من دون أن يبتعد الجملان من الطريق، وهي تعرف أن استفزازهما قد يتسبب بموتها لذا تحلت بالصبر بانتظار ما سيحصل، وجاء المنقذ بصوت طالما أزعجها على طريق العمل فصوت الشاحنة الضخمة أخاف الجمال وأبعدها عن الطريق فوجدت هي فرصتها للخروج من هذا السجن الرحب نحو الطرقات الجميلة المزدحمة.

دلال جويد