هل سيتسنى لنا أن نلتقي ذات يوم؟

الأيام المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات، ولولا ذلك لما فكرت بالسفر أصلاً

ـ لن أنساك، وسأنتظرك.

أطرقت برأسها وخوفاً من الفشل في محاولتها استمرار التماسك انفلتت بسرعة مغادرة وسط ذهول «جمال» الذي تابعها بناظريه حتى غابت عند مفترق الطرق الأول...

كانت سهرة طويلة امتدت حتى ساعات الصباح الأولى، فالجميع يخوضون صراع استحضار الذكريات البعيدة والقريبة لاختزانها في محاولة لوضعها دوماً في متناول «صباح» في الغربة كي لا تنسى..

الطائرة ستقلع عند الثانية عشرة ظهراً، وعليها أن تكون في المطار قبيل ساعتين من ذلك، وفيما استسلم الجميع للنوم من تعب، بقيت هي تتأمل وجوههم التي ارتسمت عليها أحلام أقرب الى الرجاء.. هل ستنجح في تحقيقها.. لابد لها من العمل وبجهد.. فلا خيار أمامها.. ولكن.. هل تستطيع أن تكون انتقائية وتمسح من ذاكرتها بعض المحطات وتبقي على أخرى؟.. هل ستتمكن من نسيانه؟.. هل .. هل .. أسئلة كثيرة يحتاج كل منها إلى جواب..

ـ من يدري فقد لا يكون هناك حاجة أصلاً لامتطاء فرس النسيان.. همست لنفسها ونهضت متجهة نحو المطبخ لتعد لنفسها فنجاناً من القهوة الذي كان يحمل الرقم عشرين في هذا اليوم.. ولم يمنعها الطقس الذي كان يميل للبرودة من الجلوس في البلكونة تراقب احتضار الليل وميلاد نهار جديد..

أين سنلتقي اليوم؟

وأين نذهب عادة نهار الاثنين ..هل هناك مكان غيره؟

ويتوقف بها «التاكسي» أمام المطعم الصغير الذي شهد أول لقاء لهما عندما كانت بصحبة صديقة لها دعتها إليه فيما جاء هو أيضاً لتناول الغداء على عجل في المكان نفسه، والتقت النظرات التي كانت عابرة في المرة الأولى، وتحولت إلى مركزة من قبله في المرات اللاحقة فيما كانت تتأمله على استحياء عندما يكون منشغلاً بالحديث مع زميل له في المصعد الذي كان يجمعهما وهما يدخلان أو يخرجان من البناية نفسها التي تضم الشركتين اللتين يعملان بها..

وكانت الأيام كفيلة بجمعهما وحيدين في المطعم ذاته لتناول طعام الغداء الذي بقي على حاله وهما يتحدثان لساعات طويلة الحلم بالآتي يحصد في طريقه كل العقبات التي كانت تتبدى أمامهما، فلم يكترث كثيراً لرأي والده حول تواضع المكانة الاجتماعية لمن ستكون زوجة المستقبل مستنداً الى دعم والدته التي لم يكن موقفها الفعلي مختلفاً عن زوجها، ولكنه ابنها الأثير لديها فكلهم قد تزوجوا وبقي هو إلى جانبها.

الأقدار ترسمنا بريشتها وتنقط حروف حياتنا، نظن لوهلة أننا استطعنا الإفلات من بين براثنها إلا أنها وبكل هدوء تعطي لنفسها كامل الحق والصلاحية أن توقف الأحلام في منتصف الطريق أو تكسرها إذا شاءت.. ورغم ما تخلفه من أحزان إلا أننا في نهاية المطاف لا نملك إلا الاستسلام لما أرادت..

وكان نهار مضمخ بالحزن عندما حمل اتصال هاتفي لـ «صباح» خبر وفاة والدها إثر أزمة قلبية فاجأته في مكان عمله.. وأخذ الحزن منحى آخر عندما تحولت «صباح» لمعيل الأسرة الوحيد ولم يعد ممكناً بالتالي أن تنسحب بعيداً كزوجة لشخص آخر.

كما كانت ملزمة بقبول عرض العمل في الإمارات الذي سيمنحها القدرة على الاستجابة للالتزامات الكبيرة لأسرتها.ـ انهضي يا «صباح» الوقت أزف.. لابد أنني استسلمت للنوم قليلاً.. همست لنفسها..أعوام ثلاثة انقضت على سفرها، فكانت الفرحة لا توصف عندما أخبرتهم بقرب الوصول إلى الوطن.. وكانت سهرة حتى الساعات الأولى من الصباح.

ماذا تشتهين أن أطهو لك اليوم يا صباح؟

ـ لاشيء يا أمي؟ سآكل في الخارج اليوم

قررت صباح الاحتفال بيوم الاثنين الأول لها في الوطن على طريقتها، فتوجهت نحو المطعم الصغير لتناول الطعام واجترار الذكريات التي انهالت عليها من كل حدب وصوب، ولم يوقف نزيف الذاكرة سوى صوت ينادي باسمها «صباح» فالتفتت الى مصدر الصوت .. الى الطاولة خلفها.. إنه هو يجلس مع زوجته التي كانت تنادي طفلتهما الصغيرة «صباح» فيما كانت تداعب الأسماك في الحوض الزجاجي في ركن المطعم لتأتي وتشاركهما طعام الغداء.

خالد اللوباني