لم يكن يوم سعده بالتأكيد، فقد تواطأت عليه الظروف لتضعه في مواجهة ساخنة لم يكن يريدها مع زوجته التي تتهمه دوماَ بالتهرب من أداء الواجبات الأسرية وخاصة تلك المتعلقة بعائلتها، فقد كان اليوم عيد ميلاد شقيقها الأصغر «تامر» أو كما يحلو لهم تسميته من باب الدلع «توته» الذي يمثل هاجساً لهم كأسرة، حيث يتسابقون جميعاً لتلبية رغباته التي لا تنتهي وهم في حالة رضا عجيبة وانبهار يصعب وصفه بكل ما يصدر عنه..

ماذا أفعل؟ همس لنفسه، وكيف سأخرج من هذه الورطة التي لم تكن متوقعة؟، وكيف سأبرر لها الأمر، ربما كانت ستتفهمه لو لم يكن الأمر متعلقاً ب«توته» لأن ذلك سيضع غشاوة على عينيها وعقلها وستحول هذا اليوم.. يوم راحته الأسبوعية الى نكد مقيم.. تباً لك ألم يكن هناك مجال لتأجيل هذا العمل الى الأسبوع المقبل، قالها موجهاً حديثه إلى اللوحة النحاسية التي ترقد بعناية على أحد المكاتب الأنيقة حاملة اسم وصفة صاحبها الوظيفية: إنه المدير العام.. نظر إلى ساعته للمرة الألف ثم باشر بتثاقل مراجعة الملفات المضطجعة بترتيب أمامه..

فالمطلوب دراسة وضع كل واحد من أصحابها وموقفه في تعامله مع الشركة، وأين وصلت الدفعات المالية للأقساط المترتبة عليه، وعقب ذلك عليه أن يعد تقريراً وقائمة بالأشخاص الذين سيقوم محامي الشركة صباح يوم السبت بتسليمها الى مركز الشرطة مرفقة بشيكاتهم التي لا رصيد لها وأعادها البنك.. تباً لهم أيضاً ..ما الذي أقحمهم في هذه اللعبة المدمرة ..

وواصل تقليب الملفات التي تعج جميعها برسائل استعطاف من أصحابها يطلبون من الشركة منحهم مهلة إضافية للسداد، وكل يقدم أسباباً تتمحور حول حالة الغلاء العامة وتراجع قدرتهم على السداد بسبب عدم تناسبه مع الالتزامات المتزايدة.. و.. ويعلو بشكل مفاجئ صوت رنين هاتفه الخلوي قاطعاً الطريق على مخيلته التي تحفزت بغتة وبدأت رحلة كانت ستكون طويلة بعد أن فتح أحد الملفات غير المكتظة كزميلاتها بالأوراق وباشر بقراءة الكلمات الأولى لرسالة استعطاف واحدة بداخله لا تتضمن سوى أسطراً خمسة..

ـ آلو، صدقيني لم يكن الأمر بيدي، فهذا طلب المدير العام ولم يكن بإمكاني أن أرفض..

ويبدو أن زوجته على الطرف الآخر لم يرق لها هذا المبرر لأنها قالت له: ..

ـ في الواقع أنت شخص ضعيف لأن هناك أكثر من محاسب في الشركة، فلماذا أختارك أنت بالتحديد؟

ـ المسألة ليست ضعفاً، بل هي من قبيل الثقة.. آلو .. آلو.. تباً للخطوط الهاتفية السيئة، أو ربما هناك ضغط على الشبكة سبب انقطاعاً في الاتصال.. وعاد لقراءة الرسالة في آخر ملف كان بيده..«أرجو قبول اعتذاري لعدم التزامي في الأشهر الأخيرة بدفع الأقساط المالية لشركتكم بسبب فصلي من عملي، والضغوط المالية عليَ جراء إصابة ولدي بالمرض الخبيث واضطراري لعلاجه في الخارج فترات متعددة..».

لحظات مرت عليه شعر خلالها أن كل شيء يتهاوى بداخله، وأوشك على السقوط أرضا لولا اتكاؤه على المكتب في اللحظة الأخيرة.. كما كانت هذه اللحظات كافية أيضاً له لاتخاذه قراراً بتمزيق التقرير الذي شارف على نهايته، ثم قام بتدوين بعض المعلومات أخذها من ملف والد الطفل المريض قبل أن يضعه مع الملفات الأخرى، وغادر المكان.

وقاد سيارته نحو أحد محال الحلويات وأشترى «تورتة» كبيرة، ثم توقف أمام عمارة سكنية متوسطة العمر وصعد الى الطابق الثالث وقرع جرس احدى الشقق لينشق بابها عن رجل أشيب الشعر تشير ملامحه الى تصالحه مع الحياة، وطلب منه الدخول بعد أن تعرف عليه وعلى سر زيارته.

وما هي إلا لحظات حتى دخل الى الصالون طفل تساقط شعر رأسه بادياً عليه الوهن الشديد وسلم على الضيف وجلس بالقرب من والده ، ولفت انتباهه «التورتة» الكبيرة الموضوعة على الطاولة فسأل عنها، فقال له والده بأن العم «ناصر» أحضرها لإقامة احتفال صغير.. وبماذا نحتفل؟ تساءل الصغير بحيرة واضحة..فرد «ناصر» مبتسماً : بأي شيء يا صغيري، المهم أن لا يكون عيد ميلاد «توته».

خالد اللوباني