«يا مريوم .. حسبي الله ونعم الوكيل .. وين سارت .. سيري طالعي ختج يا سلامه .. الحين بتي أمج وبتحشرنا» .. تنصاع سلامه لأوامر الجدة موزة بحرص على كسب رضاها.. ومسحة غضب تعلو وجهها السمح .. تتراءى لها نوبات غضب أمها .. وعقال راشد الذي لا زالت آثاره باقية على ظهر أخته الصغرى مريوم ..
تنفض سلامة عن يديها غبار عجين خبز المساء.. و تتناول عباءتها من أعلى «الكبت» .. ترتديها على وجه السرعة قاصدة «السيفه» (شاطئ البحر) بحثاً عن مريم .. ففي حال لم تجدها .. تشاركها في العقاب.. بذنب الأخوة .. فهي الشقيقة الكبرى والأم .. والوصية في غياب الوالدة ... تعود مريوم تجر أذيال الهزيمة حاملة طرف كندورتها بيدها .. والشيلة باليد الأخرى ..شعر متسخ بالرمل .. وقدمان حافيتان مغبرتان ..
مازال هناك متسع للعب على السيفه.. وصيادو السمك بدؤوا تواً بفتح شباكهم.. ومريوم تطمح بصيد سمك تعود به للعائلة الصغيرة .. ولكن التهديد والوعيد وخيال عقال راشد أصبح أقرب من الرمل الذي تنتعله قاصدةً البيت على مضض ..
الفرق بين سلامة ومريم لا يتجاوز العامين.. وكلتاهما تجاوزت العشر سنوات بقليل، .. كعصفورتين تحومان في حياة جدتهما بعد أن بدأ خريف العمر .. تعيشان تحت سقف واحد .. وتتقاسمان اللقمة ذاتها .. وتنهلان من دروس الجدة موزة .. التي أغدقت العطاء .. وأجزلت الكثير من أجل حفيدتيها .. أصبوحات الأيام تكاد تكون متشابهة بالنسبة لسلامه .. البواكير تشهد زحفها إلى المطبخ الصغير .. وساعتها البيولوجية تشير إلى حلول وقت الإفطار.. ما تيسّر من الخبز ..
والقهوة والتمر .. الجدة موزة وراشد وسلامه يتحلقون حول المائدة الصغيرة على أرضية حميمة.. بينما تسافر مريم على غيوم النوم حتى وقت «الضحى العود» .. تنتعش بعدها موجات اللعب في الفريج حتى ساعات العصر الأولى بينما تغرق سلامه في واجبات منزلية وعائلية.. يودع راشد البيت قاصداً البحر باحثاً عن رزق اليوم برفقة العم سالم .. تسترق سلامه لحظات الراحة في ساعات الصباح الأولى .. تنشط في تنظيف البيت .. والحوش .. وتجهيز السمك وتنظيفه للغداء ..
تطير بعدها مسابقة الزمن إلى المطوعة فاطمه .. تسمّع حفظها من آيات سورة الحشر، تقرأ مقرر اليوم التالي .. «بارك الله فيج يا سلامه .. قواج الله يابنتي» .. تقطع الحديث أنفاس مريوم المتقطعة وهي تركض مسرعة إلى غرفة المطوعة فاطمة .. «مطوعه .. يدو موزه تقول سلامه لازم ترد البيت .. الحين بيأذن الظهر والغداء ما زهب» .. «وانتي ليش ما تستوين حرمه وتطبخين الغدا يا مريوم» «مطوعه أنا ما أروم أحفظ .. بسير ألعب العصر الحين بتخلين سلوم ترد والا لا ؟ «خلاص سيري يا امايه .. وتعالي باجر بنكمل وسلمي على يدتج موزه » ..
تعود سلامة إلى البيت بخاطر مكسور .. كطائر ودّع عشه منتفضاً.. الواجبات المنزلية تباغت كل لحظات الدراسة والطموح التي تملكتها بحفظ القرآن والالتحاق بالمدرسة.. ولكن دائرة الأمل تتسع كلما جلست مع الجدة موزة .. ومعاول الإيمان تعمق في قلبها كلما سمعت دروس السيرة النبوية ورددت خلفها أذكار طرفي النهار .. عند «دريشة» البيت المطلة على السكة .. حيث يؤمن المارة على دعاء الجدة موزة .. وتهبط السكينة على القلوب ..
قد لا يدرك الكثيرون أن لحظات الطفولة رسمُ مصغّر ومسوّدة أولية لربيع العمر وما تبقى من مواسمه .. وغالباً ما تعنون أحداثها كتب الحياة ..
تزوجت سلامة من ابن خالتها .. قد لا يكون الزواج موفقاً .. ولكن كطفولتها تماماً .. فكان الصبر عنوان المرحلة المقبلة من حياتها .. أنجبت الأطفال .. انتصرت بحنانها على خيال كل ما كان ليسرق لحظة فرح من أبنائها .. أو يمس إصرار تلك الطفلة التي سرقتها الواجبات المنزلية من طموح جارف زرعت بوادر نجاحه في صغارها .. بينما تجرعت مريم مرارة ثلاث تجارب زواج فاشلة .. تكللت بأبناء كالورود .. تجمعهم أم لا زالت تعيش طيش الطفولة المتذبذب .. تجهل مفردات التنشئة الأولى ..
أمل الفلاسي
