في الجزء الثاني من الحوار يكشف عبدالله السويدي المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية أن الوزارة تدرس إمكانية تعديل قانون التعاونيات الحالي بما يتماشى والتطورات الحاصلة في العالم وبما يساهم في تحقيق الدور الاجتماعي للتعاونيات.

ويؤكد أنه ليس من المهم تبعية الجمعيات لأية جهة وانما المهم هو تحقيق الدور المنوط بها وهو ما يتحقق عبر إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية عليها. وقال السويدي إن الوزارة أعدت رؤية مستقبلية للحوكمة في الجمعيات وتأمل في تنفيذها في المرحلة المقبلة. ويوضح أيضا أن الدولة قدمت الدعم على مدار 12 عاما لكنه يرى أن استمرار الدعم قد يضعف الجمعيات في المنافسة في ظل سياسة السوق الحر التي تنتهجها الدولة بالتالي لابد من الاعتماد على مواردها.

ويلفت إلى أن قضية التوطين استراتيجية في الجمعيات حيث يمكنها أن تلعب دورا في توفير وظائف لنحو 18 ألفا من مستفيدي المساعدات الاجتماعية القادرين على العمل. أما بالنسبة للأسعار فيضيف أن انشاء مزيد من الجمعيات في مجالات متنوعة يمكنه أن يساهم في مواجهه ارتفاع الأسعار وأن الوزارة دورها إشرافي وتوجيهي لمجالس الادارة في قضية الأسعار بالتعاون مع الجهات المعنية الأخرى. وتاليا تتمة الحوار:

* ماذا عن شكل الدعم المقترح من الوزارة للتعاونيات وهل يستمر بالشكل التقليدي المعروف؟ يمكن أن تكون الجمعيات التعاونية بحاجة إلى دعم ومساندة عند انطلاقها وذلك للمساعدة في نهوضها وتمكينها من إيجاد مكانها في سوق التجزئة أو الإنتاج، وهذا ما قامت به الوزارة حيث قدمت دعما لتلك الجمعيات منذ تأسيسها عام 1976 وحتى سنة 1988 أي على مدى اثنتى عشرة سنة، ولكن استمرار دعم الجمعيات قد يؤدي إلى نتائج عكس ما تريده الوزارة والمجتمع من ذلك الدعم.

إذ إنه قد يضعف الجمعيات التعاونية ويجعلها عاجزة عن التطور والمنافسة لاسيما أن الإمارات تنتهج الاقتصاد الحر، وفيه سوق حرة ومفتوحة وتقوم على المنافسة، ولا يجوز أن يكون هناك تمييز إيجابي للجمعيات التعاونية لأنه يفقد المنافسة أهم عناصرها وهو توفر الدعم لجهة دون أخرى، هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية، فإننا نعلم أن العالم مقدم على تنفيذ اتفاقية التجارة العالمية (الجات) وهي تعتمد على المنافسة كأحد أهم ركائزها، من هنا يتوجب توقف تقديم الدعم المباشر للجمعيات من قبل الحكومة.

إلا أن الجمعيات مازالت تحظي ببعض الدعم من الحكومات المحلية التي تخصص لها بعض قطع الأراضي لبناء مقارها، أو توفر لها بعض أنواع الدعم الأخرى عندما تتعثر، وهي حالات لم تعد كثيرة أو أساسية بالنسبة لكثير من الجمعيات التي تعتمد اعتمادا كليا على مواردها.

أما إذا أريد أن تكلف الجمعيات بدور كبير وأساسي في توفير الأمن الغذائي والمخزون الاستراتيجي للسلع فإنها تحتاج إلى الدعم إذ أنها قد تحتاج إلى أرض ومستودعات ودعم لوجستي من الحكومة للقيام بهذا الغرض.

وبخلاف الأسلوب التقليدي في الدعم فإن الدولة قد تلجأ إلى شكل جديد من الدعم (وهو حاصل في بعض دول العالم) حيث تشترك الحكومة مع أفراد في انشاء جمعية تعاونية في منطقة لا توجد فيها جمعيات لأجل محدد وتنسحب الحكومة من هذه الشراكة تدريجيا مع تقدم الجمعية ونهوضها وبشكل لا يلحق الأذى بالجمعية ومساهميها.

التوطين

*هل لديكم تصور بشأن توفير فرص التوطين بعد أن بلغت النسبة ما يقارب 1% فقط؟

ـ يحتل التوطين مساحة واسعة من اهتمام وزارة الشؤون الاجتماعية لأن التوطين هدف استراتيجي تلتزم به جميع وزارات الدولة وإدارتها يضاف إلى ذلك أن وزارة الشؤون الاجتماعية معنية أيضا بآلاف المستفيدات من قانون الضمان الاجتماعي والقادرات على العمل واللاتي أشار إليهن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عند اطلاقه استراتيجية الحكومة الاتحادية.

حيث بين أن هناك حوالي 18ألف مواطن ومواطنة من المستفيدين من قانون الضمان الاجتماعي هم أفراد في سن العمل ويحتاج أصحابها إلى أن يكونوا منتجين ليستكملوا مقومات انسانيتهم، ومن واجب الحكومة أن تشق لهم الطريق.... هذه مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الجميع وربما تكون الجمعيات التعاونية واحدا من المنافذ التي تستوعب بعض هؤلاء.

نحن لا نريد أن نحمل الجمعيات أكثر من طاقتها، ولكن مسؤوليتها الاجتماعية تستدعي أن تأخذ بعين الاعتبار تشغيل المواطنين ما أمكن ذلك في الجمعيات التعاونية، ونحن سعداء بما أعلنه مدير جمعية الاتحاد التعاونية بدبي بأن هناك قرابة 300 مواطن يعملون في الجمعية ونحن نأمل أن تحذو بقية الجمعيات حذو جمعية الاتحاد في تشغيل المواطنين.

الأسعار

* القضية الشائكة الأخرى وهي قضية الأسعار كيف تنظرون إلى آلية التعامل معها لضبط الوضع في الأسواق وهو الدور الطبيعي المنوط بالجمعيات؟

ـ بالنسبة للأسعار بصفة عامة وفي الجمعيات التعاونية بشكل خاص لابد من أن نعود فنؤكد أن دور الوزارة إشرافي على الجمعيات التعاونية، وأن الوزارة توجه فقط، واتخاذ القرار يعود إلى مجلس الإدارة والجمعية العمومية لهذه الجمعية أو تلك، ومع ذلك فإن الوزارة عملت مع وزارة الاقتصاد والجمعيات التعاونية ما أمكن لضبط الأسعار والحد من ارتفاعها وأن يكون للجمعيات دور كبير في هذا المجال.

وقد أثمرت هذه الجهود عن نتائج مهمة قد لا تكون في مستوى طموحنا ولكنها ساهمت في وقف ازدياد أسعار بعض السلع الأساسية وإلغاء الربح عن بعض السلع وتثبيت أسعار سلع أخرى، والمستهلك قد يكون لاحظ ذلك، ولكن يجب أن ندرك حجم الجمعيات محدود في السوق وهو لا يكاد يصل إلى 4% من تجارة السلع الاستهلاكية.

وهنا يأتي دور المواطنين لمواجهة ارتفاع الأسعار بتأسيس المزيد ثم المزيد من الجمعيات التعاونية في جميع المجالات مثل: الجمعيات التعاونية الاستهلاكية والجمعيات الإنتاجية وجمعيات التأمين والصحة والتعليم وجمعيات الإسكان، وسوق الإمارات واسعة وتحتمل استيعاب تأسيس عشرات الجمعيات الجديدة،

ونشير هنا إلى أن الحافز الأساسي لانطلاق التعاون من قبل جماعة (روتشديل) قبل قرابة قرن ونصف قرن من الزمن كان مواجهة ارتفاع الأسعار آنذاك حيث تداعى الرواد الأوائل لتأسيس أول جمعية وقد نجحوا في مسعاهم ووفروا السلعة الرخيصة والجيدة لأعضاء الجمعية وآباء المنطقة، وقد تكررت هذه التجربة في عشرات الدول عندما ترتفع الأسعار أو تحدث أزمة اقتصادية حيث يكون تأسيس الجمعيات أحد الحلول المطروحة، ونحن واثقون من مقدرة مواطني الإمارات على النجاح في تجارب مماثلة.

يضاف إلى ذلك أن يتحمل أعضاء الجمعيات مسؤولياتهم التي أعطاهم إياه قانون التعاون بأن يكون لهم دور أكبر في الجمعيات العمومية في اتخاذ القرارات، ووضع الاستراتيجيات، ومراقبة أداء الجمعيات، ودفع الجمعيات أكثر فأكثر للالتزام بأهداف التعاون ومراميه الاجتماعية بفتح باب العضوية في الجمعيات وتوسعة قاعدتها لتصل إلى أفضل المستويات العالمية.

ولابد لضبط الأسعار أيضا من أن تبذل جهود مع مراكز التسوق ومراكز بيع السلع الاستهلاكية الكبيرة في الدولة ووزارة الاقتصاد تبذل جهودا مشكورة في هذا المجال، وسيظل الحل الأمثل لمواجهة ارتفاع الأسعار أن نسير بثبات نحو استراتيجية تحقيق الأمن الغذائي.

التشريعات

*بالنسبة للوضع التشريعي ما هي ملامح الحوكمة المقترحة من الوزارة لاستقلالية التعاونيات وإدارتها بشكل سليم؟

ـ أعدت الوزارة رؤية مستقبلية للحوكمة في الجمعيات تأمل تنفيذها، وقد حددت الوزارة مفهوما للحوكمة في الجمعيات يقوم على مجموعة من الضوابط والمعايير والإجراءات التي تحقق الانضباط المؤسسي في إدارة الجمعية التعاونية وفقا للمعايير والأساليب العالمية، وذلك من خلال تحديد مسؤوليات وواجبات أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية للجمعية مع الأخذ في الاعتبار حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح.

ومن أهم الأمور التي يجب أن تراعيها الجمعيات لتطبيق نظام الحوكمة فيها، إشراك الأعضاء في الوظائف اليومية والمساواة بين حملة الأسهم، وضمان حقهم في الدفاع عن حقوقهم القانونية والتصويت في الجمعية العمومية على القرارات الأساسية، والإطلاع على جميع المعاملات مع أعضاء مجلس الإدارة أو المديرين التنفيذيين، وأن يكون أعضاء مجلس الإدارة مؤهلين لشغل مراكزهم وأن يكونوا على دراية تامة بالحوكمة وبالقدرة على إدارة الجمعية التعاونية، وأن يتم توفير أكبر قدر من التدقيق الداخلي لأعمال الجمعية، وأن يتمتع مراقبو الحسابات والرقابة الداخلية بالاستقلالية الكاملة عن مجلس الإدارة.

وأن يعطي الجانب الاجتماعي دورا أكبر بمراعاة اهتمامات المجتمع في سياسة الجمعية وبرامجها.

تعديل قانون الجمعيات

* هل هناك تفكير في تغيير أو تعديل لقانون الجمعيات رقم 13 لسنة 1976 بعد الموافقة على المشروع ؟

ـ تطوير العمل التعاوني في الإمارات يعتمد على السياسات بالدرجة الأولى وعلى توفير البيئة الإدارية الناجحة للجمعيات ويتعلق الأمر هنا بقانون التعاون والقرارات التنفيذية، وفي هذا المجال أعادت الوزارة دراسة القانون الحالي للجمعيات رقم/13/لسنة 1976 وأطلعت على أهم ما فيه، بالتأكيد في القانون الحالي الكثير من الجوانب الايجابية التي تحقق مبادئ التعاون على أكمل وجه.

فيما يتعلق بمفهوم التعاون، وبالعضوية المفتوحة، وبالحقوق المتساوية للمساهمين، وحقهم في الترشح والانتخاب ورقابة الأعضاء على أعمال مجلس الإدارة من خلال اجتماعات الجمعية العمومية، والرقابة المالية من خلال ضرورة تعيين مراقب للحسابات في الجمعية مستقل عن مجلس الإدارة ويتم تعيينه من الجمعية العمومية مباشرة، ولكن التطور الذي شهدته الإمارات استدعى بدون أدنى شك تعديل هذا القانون ليصبح أكثر مواءمة للمهام الجديدة للحركة التعاونية.

لهذا الغرض بدأت الوزارة حاليا بدراسة أفضل الممارسات القانونية وأحدثها للإفادة منها في صياغة مشروع القانون الجديد، ولهذا الغرض، أطلعت على برامج الإصلاح التعاوني لاسيما تلك الصادرة عن المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية واطلعت كذلك على قوانين التعاون العالمية الناجحة في دول مثل (سنغافورة، سراييفو، فنلندا، استراليا، نيبال، وإيران) والقوانين العربية مثل قانون (الكويت، فلسطين، سوريا، والأرن).

كما حرصت على الإفادة من دليل إعداد قوانين التعاون لخبير التعاون (هيفن هنري) وهو من أحدث الكتب في هذا المجال حيث صدر سنة 2005، كما أن الوزارة حرصت على أخذ آراء العاملين في الميدان التعاوني من أعضاء مجالس إدارة الجمعيات التعاونية والاتحاد التعاوني وبعض الخبراء في الاقتصاد.

وعندما سينجز مشروع تعديل القانون ستطرحه الوزارة على موقعها الإلكتروني لاستقبال آراء المعنيين في القانون، لأننا نريد قانونا عصريا وقادرا على توفير بيئة قانونية مرنة لتطوير التعاونيات وتوفير الحوكمة فيها.

مفهوم

العمل التعاوني

أوضح عبدالله السويدي انه ليس مهما بالنسبة للوزارة من هي الجهة التي تشرف على الجمعيات التعاونية، المهم بالنسبة لنا هو أن تحقق الجمعيات أهدافها مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب الاجتماعي للجمعيات، إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية على الجمعيات التعاونية يأتي انطلاقا من هذا البعد الاجتماعي، فالجمعيات التعاونية جمعيات ذات بعد اقتصادي بالتأكيد.

وهي تعمل لتحقيق ربح لمساهميها وأعضائها، ولكنها بالمقابل لها بعد اجتماعي إذ أنها تعنى بالمجتمع المحلي، تعنى بنمو المجتمع وتقدمه، تعنى بالارتقاء بالخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية في المجتمع المحلي للجمعية، ومثل هذا الدور لا يتحقق إلا من خلال إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية على الجمعيات التعاونية وعلى حسن تطبيق قانون التعاون، وبدون ذلك فإن الجمعيات ستنحو أكثر نحو تغليب الجانب الاقتصادي وإهمال الجانب الاجتماعي وهذا مالا يتفق مع أهداف التعاون ومبادئه، كما لا يتفق مع توجهات المجتمع نحو الهدف المأمول من الجمعيات التعاونية.

الحوكمة

حماية المساهمين ومراعاة حقوق العاملين

ظهرت الحاجة إلى الحوكمة في العديد من الاقتصاديات المتقدمة خلال العقود القليلة الماضية في أعقاب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية التي شهدتها بعض دول شرق آسيا وأميركا اللاتينية في عقد التسعينات من القرن العشرين، وماشهده الاقتصاد الأميركي من انهيارات مالية ومحاسبيه خلال عام 2002، وتهدف الحوكمة كما هو معروف إلى تحقيق الشفافية والعدالة ومنح حق مساءلة إدارة الشركة، وبالتالي تحقيق الحماية للمساهمين ومراعاة حقوق العمل والعمال.

والحوكمة في الجمعيات التعاونية قد تتفق في بعض الأهداف مع الحوكمة في الشركات إلا أنها قد تتمايز عنها في أهداف أخرى.

دبي ـ عادل السنهوري