اعتاد قاطنو البناية على رؤية الشاب بلال عرفة الذي يعمل حلاقاً في محل أسفل البناية، اعتادوا على رؤيته كل يوم مساءً ساهماً وهو يجلس على كرسيه أمام المحل لفترة طويلة منتهزاً فرصة عدم وجود زبائن، بل إن صاحب المحل الذي يعمل فيه «بلال» أصبح يتيح له فرصة الجلسة المسائية حتى لو كان هناك زبائن.. المشهد «الرومانسي» الذي كان يقدمه بلال كالمعتاد كان يشوبه ذلك اليوم بعض التشويش..
ـ ما الأمر يا بلال .. ولمَ أنت متوتر على هذا النحو؟
ـ صدقني لا شيء مهم ـ طالما انه لا شيء مهم لماذا أشعر أن أنفاسك أكثر حرارة من الطقس
ـ هي رسالة من الوطن
ـ كلنا تأتينا رسائل، المهم المضمون.. ماذا حملت الرسالة إليك؟
ـ لقد حطم حياتي ما جاء فيها.
ـ إلى هذا الحد كان المضمون قاسياً؟
ـ فقد أبلغتني الحبيبة التي تغربتُ للعمل من أجلها أنها ستتزوج من شخص آخر
ـ وهل ستسمح لمثل هذا الحدث أن يدمر حياتك كما تقول
ـ أنت تقول ذلك لأنك بعيد عن الموضوع، لقد خضت تجارب مشابهة ولم تتحطم حياتي ـ أرجوك أنا في غاية التأثر، في الواقع أنت تستمتع بلحظة المعاناة هذه أكثر مما لو استمرت هي بانتظارك.
ـ أمعقول ما تقول؟
ـ بالتأكيد، وستضحك كثيراً ذات يوم على نفسك، ثم أن الحبيبة لو كانت تحبك كثيراً لانتظرتك، ولكنها كانت عاقلة والتفتت الى مصلحتها بدلاً من انتظار شخص قد يأتي حاملاً معه مفاتيح الزواج، وقد لا يأتي.. ففضلت العصفور الذي بيدها.
ـ وأين المشاعر والأحاسيس التي كانت تقدمها إليَ خلال أربعة أعوام من عمر علاقتنا؟
ـ موجودة بالتأكيد وكن متأكداً بأنها لن تنساك مطلقاً، وستبقى ذكرى جميلة بالنسبة لها.
ـ طالما أن الأمر على هذا النحو لماذا تريد الزواج من غيري؟
ـ صدقني بأنني أحترم تفكيرها جداً، لأنها كانت واقعية للغاية.
ـ هل ترى أن مثل هذا التصرف ينم عن تفكير سليم؟
ـ بالتأكيد، فقد كان من الممكن أن يكون العكس، وتحلق لها أنت على الناشف وتتزوج غيرها، وتتحول سنوات انتظارها لك الى كابوس لها، علماً بأن سن الزواج للمرأة محدود، بينما المدى مفتوح للرجل، فقد تزوج عمي في سن الخامسة والثمانين ومات بعد شهر من الزواج، بينما ترملت ابنته في سن الثالثة والعشرين ومازالت أرملة بعد مرور عشرين عاماً.
ـ كل من (حلق) لحبيبته كان يقول نفس الكلام، وها أنت تعيد الاسطوانة نفسها، دخل بلال في لحظة صمت وتأمل ثم التفت إليَ قائلاً.. يمكن كلامك قريب من الحقيقة لأنني منذ فترة وبيني وبين نفسي أتمنى أن تتزوج من آخر لأتحلل من الالتزام لأن وضعي العملي مازال في بدايته، حيث إنني أسعى لأكون صاحب محل..
وهمس في أذني أرجو أن لا يعرف هو شيئاً عن كلامنا هذا مشيراً إلى صاحب المحل الذي كان يرمقه بنظرة ذات معنى خاصة وأن المحل يغص بالزبائن لأن الرواتب كانت قد نزلت الى الحسابات البنكية.
خالد اللوباني
