الحكيم من الناس هو الذي يضع الأمور في موضعها أو الذي يصيب في أقواله وأفعاله بقدر طاقته البشرية، أو هو الذي ينطق بالحكمة، والحكمة: هي القول السديد والعمل الرشيد والتدبير الأمثل. وهي أيضاً: حبس النفس عن الزيغ والانحراف عن الحق والميل مع الهوى الجامح والتيار المنحرف. والحكمة أيضاً هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم.

(ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً) أي: آتيناه خبرة بشؤون السياسة والملك وعقلاً ذكياً يدبر به أمره، وعلماً بأصول الدين الذي يدين به آباؤه وإسحاق ويعقوب وبالحكم والعلم كان محسناً في معرفة ربه بنعوته الكمالية وخبيراً بأحوال الزمان وطبائع البشر، واقفاً على قواعد الإصلاح وملماً بمكارم الأخلاق.

فالحكيم هو من أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً، وخلق كل شيء فقدره تقديراً ودبر شؤون ملكه تدبيراً لا يعتريه خلل ولا تفاوت وحكم بين عباده بالعدل المطلق وهو يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل بالحكمة الباهرة والحجة الظاهرة والسلطان القاهر، ويقضي قضاء لا يقبل الرد ولا التعقيب. وهو الذي يعلم من شاء من عباده الحكمة وحسن المنطق، واحكام التدبير والتقدير وتحري الصواب في الأقوال والأفعال.

فالحكيم المطلق هو الله وحده لا شريك له لأنه يعلم أصول الأشياء بعلمه الأزلي الدائم علماً محيطاً مطابقاً لا يتطرق إليه اشتباه ولا خفاء. يقول الله عز وجل: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي: لا يعرف قدر الحكمة إلا الذين أوتوها فهي منبع اللب ومصبه واللب هو العقل السليم الذي يغوص في لب الأشياء ويدرك ما وراء المعاني من المقاصد والمرامي وصاحب هذا اللب لا يكون إلا حكيماً يضع الأمور في مواضعها ويأتي البيوت من أبوابها ويعطي القوس باريها.

ولكي تكون حكيماً ينبغي أن تتسلح بالعلم، فإن العلم يدعو للإيمان، والإيمان نور، وبالنور تدرك الكثير من حقائق الأشياء وتكون على بصيرة من أمرك في أقوالك وأفعالك وعندئذ تكون حكيماً بقدر علمك وإيمانك.

قال الله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) سورة الأنعام الآية 18، هو تعالى (الحكيم) الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم والاطلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره، فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال.

رجاء علي