قبل أن يكون لفجر الإسلام بزوغ في الجزيرة العربية ويقدر له الظهور في بقية أرجاء المعمورة ويكلل له النجاح كانت حياة الناس كئيبة جدا فهضم الحقوق كان منتشرا بين الناس، ونصرة الظالم على المظلوم متحققة في بعض الأحيان، وسيادة الفوضى عامة وكانت متوسعة في أرجاء شتى.

وغيرها من المبادئ التي سار عليها أهل الجهل والانحراف الفطري فلم يكن الناس في ذلك العصر يتمتعون بالسيادة الحقيقية في ظل نظام عادل يحفظ لهم الحقوق ويقدر مكانتهم الاجتماعية، ويصون كرامتهم، وثمة أمر آخر في حياة الناس، انها لم تكن أيضاً خالية من التوترات وعديمة الاضطرابات سواء أكانت معنوية أو مادية على أرض الواقع الذي عاشه الإنسان في تلك الحقبة الزمنية.

وبعد أن شرف الله تعالى الأمة البشرية بنبي الرحمة والهدى عليه الصلاة والسلام تغيرت الأحوال وتبدلت بعض العادات المتبعة التي سلك طريقها الناس في ذلك الزمان وفيما كانت تتلاءم مع الفطرة البشرية حلت محلها العادات المحمودة وهيأت لنظام العدل السيادة في الأرض.

وانتفع الناس أجمعين بالتسوية التي حفظت للإنسان حقه وقدرت كرامته من خلال تطبيق التشريع الرباني والهدي الإلهي وكان من ضمنها مبدأ العدالة حيث طبق هذا النهج النبي محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم على ذاته أولا وعلى أهل بيته وأقربائه ثانيا وبعد ذلك شمل الصحابة وعمّ المسلمين وسائر البشرية أجمعين لا يفرق بين أي احد منهم لأن نظام العدل جاء شاملا لكل فئات المجتمع وإيصال الحقوق لأصحابها أمر ضروري وحتمي التطبيق لاستقامة أحوال الحياة وغاياتها.

إن دين الإسلام شُرع للبشرية عامة فمن مبادئه السمحة انه جاء ليحقق لهم نظما مختلفة الجوانب سياسية واجتماعية وصناعية وفكرية وعلمية وكل ذلك لا يخرج عن نطاق العدل ومبادئه القويمة، لينشئ بعد ذلك عالما حرا في حدود الفطرة السوية تسود فيه النظم والقوانين التي تحقق السعادة والرخاء والاستقرار الروحي والمادي للإنسان في الدنيا ويظفر بالفوز النعيم في الآخرة إن تمسك المؤمن الحق المخلص لله تعالى بحبله المتين ونوره المبين؛

فرسالته، أي سيد الأنام خالدة إلى قيام الساعة وباقية لأنها خاتمة الرسالات السماوية وهي (دعوة عالمية إنسانية لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس؛ إنما العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية، ومن ثم جاء النبي الكريم عليه السلام بالكتاب السماوي بالمبادئ التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات، وتُطمئن الأفراد والأمم والشعوب، والثقة بالمعاملات والوعود والعهود: جاء «بالعدل» الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل، لا تميل مع الهوى، ولا تتأثر بالود والبغض، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب، والغنى والفقر، والقوة والضعف.

إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للجميع وإلى جوار العدل «الإحسان».. يلطف من وحدة العدل الصارم الجازم، ويدع الباب مفتوحا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثارا لود القلوب، وشفاء لغل الصدور.

لمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه ليداوي جرحا أو يكسب فضلا). (1) هذه هو المبدأ القويم والدور الإيجابي والبناء المنوط به في حياة الناس من أجل تحسين أحوالهم المعنوية والحسية واستقامتها والشعوب الأرض قاطبة، فللعدل تأثير قوي في عملية الاستقرار البشري وبسط مظلة الأمن والأمان والسلم والسلام فينتج عن ذلك التعايش السلمي بين الناس.

نظم مختلفة

دين الإسلام شُرع للبشرية عامة فمن مبادئه السمحة انه جاء ليحقق لهم نظما مختلفة الجوانب سياسية واجتماعية وصناعية وفكرية وعلمية وكل ذلك لا تخرج عن نطاق العدل ومبادئه القويمة.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي