يرى الدكتور محمد زرمان أن الحوار كان مرتكزا أساسيا من مرتكزات الدعوة إلى الله، ووسيلة عظيمة من وسائل الاتصال التي اعتمد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم لأداء أمانة البلاغ. وكان أيضا سلاحه الوحيد أمام واقع الجاهلية الذي مرد على الضلال والطغيان والظلم والعدوان وسفك الدماء وإتيان الفواحش وقطع الأرحام.

وقد بدأ معركة الدعوة الكبرى بكلمات قليلة يدفع بها أمواج الظلام الكثيفة، وينكفئ عليها ولا يفتأ يرددها للناس جميعا لا يستبدل بها أموالا ولا مناصب رئاسية، ولا تثنيه عنها سياط العذاب التي يسلطها الكفر عليه وعلى أتباعه القليلين، ولا يستثني من الناس أحدا مهما كانت منزلته الاجتماعية، فيحاور الجميع ويدعوهم كلهم إلى دين الحق.

ولم يكن يصده عن مراجعتهم المرة تلو الأخرى ما كان يلقى منهم من الأذى والسخرية والازدراء والإعراض، إذ كان في كل مرة يخاطب فيهم عقولهم وأفئدتهم لعل شعاعا من نور الله ينفذ إلى واحد منهم فيستجيب لنداء الحق ويخلع عنه أدران الجاهلية . وبهذا الأسلوب الحضاري الراقي سرى الإسلام بين الناس فوجد لدى العقلاء أصحاب الرأي ولدى الأسوياء أصحاب الخلق الرفيع هوى في النفس يشاكل ما تهفو إليه الفطرة السليمة.

وظل الحوار في ميدان الدعوة إلى الله هو سيد الموقف حتى بعد انتصار الإسلام وظهوره على أعدائه، إذ لم يكن هناك بديل للحوار في مخاطبة العقل والنفس وسوقهما بالدليل الواضح والحجة المقنعة إلى الله سبحانه وتعالى لينبع الإيمان من الذات محملا بالصدق والرغبة الخالصة في التوجه إلى الله.

والحوارات الكثيرة التي جرت بين النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين على اختلافهم تدل على حرصه الشديد على المحافظة على شبكة العلاقات الاجتماعية متينة قوية بما كان يقدمه من الحلول لمختلف المشاكل التي تعرض له، والتي تدل كلها على أن الأحكام الشرعية إنما مدارها على مصلحة الأمة بما يحقق لأفرادها الاستقرار والأمن والاطمئنان.

والسنة النبوية الشريفة تزخر بالحوارات التي تتناول المشاكل الاجتماعية وتقدم لها الحلول، بحيث تظل الأسرة متماسكة، والأفراد متضامنين، والمجتمع متكافلا، والجميع يسعون في حوائج بعضهم بعضا رجاء ثواب الله وحسن جزائه. بل إن كثيرا من الذنوب والآثام والكفارات التي يلم بها المسلمون ويأتون مسرعين نادمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتغون التوبة تكون كفارتها أعمالا اجتماعية تشد أواصر الرحم، وتسد حاجات المساكين والمعوزين.

السيد الطنطاوي

Tantawi2007@gmail.com