الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ورفع حبيبه إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى وأراه من آياته الكبرى. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..
إن الحديث عن الإسراء والمعراج لا تسأم منه النفوس، وكيف تسأم وتمل وهو يوم الراحة لرسولنا صلى الله عليه وسلم بعد التعب والمشقة ويوم الفرح والسرور بعد الأحزان والهموم، يوم أن فتحت السماء أبوابها في وجه المعصوم صلى الله عليه وسلم بعد أن أغلقت في وجهه أبواب الأرض. إنه يوم ترحيب ملائكة الرحمن بالمصطفى سيد ولد آدم بعد أن طرده بنو الإنسان، إنها المعجزة الخالدة على مر الزمان والتي سطرها الحق في آيات القرآن، فيا لها من رحلة عظيمة أعدتها القدرة الإلهية وتمت بإشراف العناية الربانية. جاءت هذه الرحلة بعد أن تجهمت قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وأحدقت به بعد وفاة عمه أبو طالب، لأن قريشاً ما كانت تريد أن تخسر أبا طالب، ولما توفي أبو طالب وانهار هذا الحاجز المنيع، نال رسول الله من الضر الجسدي الشيء الكثير، وكذلك بعده بعدة أشهر ماتت خديجة التي كانت البلسم الشافي لما يصيب الرسول من الآلام النفسية التي يلحقها به المشركون، ولما توفيت فقد رسول الله هذا البلسم.
ولما اشتد عليه أذى قريش بمكة، توجه إلى مدينة صغيرة حصينة على بعد سبعين ميلاً من مكة تسكنها قبيلة ثقيف اسمها الطائف لكي ينشر دعوته. عرض عليهم أمره فلم يسمعوا له، وطلبوا منه أن يقنع قومه أولاً لو كانت دعوته صادقة، وأن يغادر الطائف، وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يسبونه ويصيحون به ويرشقونه بالحجارة حتى سال منه الدم.
عجيب أمر الناس!! خاتم الأنبياء والمرسلين وأطهر من يمشي على الأرض وأكرم الخلق على الله ورسوله يهان؟! حينما كان كسرى وقيصر يتقلبان على الحرير.. ألا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فربما لو علمت قريش بتوجهه إلى الطائف ليستعين بثقيف عليهم لقامت قيامتها وأغلقت أبواب مكة في وجهه وقد كان فإن ثقيفاً أرسلت إلى قريش رسولاً يخبرهم بما جاء به محمد.
فأين يذهب؟ وإلى أين يتوجه؟ وكيف يتمكن من أداء رسالته على الوجه الأكمل؟ إن الوقت يمر وكان كل ما يهم الرسول أن يكون ربه راضياً عنه، تجلى ذلك في دعائه حين قال:
«إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي»
البشر يغلقون أبواب مكة في وجه خاتم الأنبياء والمرسلين وهو نبي الله وعبده ورسوله فلمن يتركه؟ وأين يذهب؟
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي.. وقلة حيلتي.. وهواني على الناس ـ يا أرحم الراحمين إلى من تكلني؟
وإذا العناية لاحظتك عيونها
نم فالمخاوف كلهن أمانُ
لقد شكا النبي لربه همومه وأحزانه والسميع البصير يسمع ويرى، فلابد من ترضية إلهية فلقد بلغ التكريم أقصى مداه في رحلة الإسراء والمعراج. إن الهدف من هذه المعجزة يتمثل في أمور منها:
إن الله عز وجل أراد أن يتيح لرسوله فرصة الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته حتى يملأ قلبه ثقة فيه واستناداً إليه وتهيئة له «صلى الله عليه وسلم» حتى يزداد قوة في مهاجمة الكفار لأن بعد الإسراء بسنة تقريباً كانت الهجرة وبعدها بقليل ستكون الموقعة الكبرى في بدر فكان الأمر يحتاج إلى تمهيد.
وتلك سنة الله مع أنبيائه كما حدث لموسى عليه السلام، فإن الله عز وجل ما أمره بمواجهة فرعون أول الأمر ولكن بعد أن أراه عجائب قدرته فلما ملأ قلبه إعجاباً بهذه الآيات قال له بعد ذلك «لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى».
إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان مقدماً على مرحلة جديدة ولانطلاق بناء الدولة فأراد الله عز وجل للبنات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية متراصة متماسكة فلا بد لهذا المجتمع أن يصفو تصفية كاملة. ومن وسائل هذه التصفية إذاعة نبأ الإسراء لينتكس من انتكس وليتبقى من تبقى على بصيرة وبينة وعن أمان لا يتزعزع مهما كانت الحوادث إيماناً بصدق رسوله في كل ما يأتي به فجعل لله حسن لاختيار ليخلص الحصن من الضعاف المترددين والذين في قلوبهم مرض ويثبت المؤمنين الأقوياء قال تعالى «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس».
قال الحسن: إنه يوم الحديث عن الإسراء رتد كثير ممن أسلم.
ـ كذا أن الإيمان لا يتزعزع بالشدائد فهاهو الرسول «صلى الله عليه وسلم» يضرب أروع الأمثلة في الجهر بالحق أمام أهل الباطل وان تحزبوا ضد الحق وجندوا لمحاربة كل ما في وسعهم لكن شجاعة الرسول «صلى الله عليه وسلم» العالية جعلته يواجه المشركين بأمر تنكره عقولهم ولا تدركه في أول الأمر تصوراتهم، فلم يستمع «صلى الله عليه وسلم» إلى تخوف أم هانئ من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة.
لكنه أصرَّ على إخبارهم بإسرائه إلى بيت المقدس وأظهر الله له علامات تلزم الكفار بالتصديق وذلك حين وصف لهم بيت المقدس لأن بعضهم قد سافر للتجارة إلى الشام ورأى المسجد الأقصى، وذلك بإخباره عن العير والبعير اللذين أقلوه. كل هذا الوصف الدقيق كان مفحماً لقريش فلم يستطيعوا معه أن يتهموه بالكذب.
كانت هذه الرحلة العظيمة تربية ربانية رفيعة المستوى وأصبح الرسول «صلى الله عليه وسلم» يرى الأرض كلها بما فيها من مخلوقات نقطة صغيرة في ذلك الكون الفسيح وأن كفار مكة في هذه النقطة لا يمثلون إلا جزءاً يسيراً جداً من هذا الكون فما الذي سيفعلونه تجاه من اصطفاه الله تعالى من خلقه وخصه بتلك الرحلة وجمعه بالملائكة والأنبياء عليهم السلام وأراه السموات السبع وسدرة المنتهى والبيت المعمور وكلمه جل وعلا.
إن شرب الرسول «صلى الله عليه وسلم» اللبن حين خُيِّر بينه وبين الخمر وبشارة جبريل عليه السلام حين قال «هديت الفطرة» تؤكد أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية التي ينسجم معها فصاحب الصناعة أدرى بصناعته والذي خلق البشرية أدرى بما يصلحهم قال تعالى «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير»
فالذي خلق البشر خلق لهم هذا الدين الذي يلبي احتياجاتهم وقال تعالى «فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون». والرسول «صلى الله عليه وسلم» يقول: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..».
إن هذه الرحلة جاءت في الوقت المناسب لتربط بين عقائد التوحيد الكبرى من عهد إبراهيم وإسماعيل إلى محمد خاتم الأنبياء، جاءت لتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعاً وكأنما أريد بهذه الرحلة إعلان وراثة الرسول صلى الله عليه وسلم للرسل قبله واشتمال رسالته على الرسالات السابقة. ان الإسراء إلى بيت المقدس كان إعلاناً من الله تعالى وإن مواريث الأنبياء جميعاً قد أعادها الله إلى خاتم الأنبياء والمرسلين في حفل لا مثيل له في عمر الدنيا والرسالات جميعاً.
لقد حضر هذا الحفل جميع الأنبياء وكل من يهمهم الأمر ليصلي بهم محمد صلى الله عليه وسلم إماماً بحضور كبير أمناء وحي السماء جبريل عليه السلام حامل الوحي إليهم جميعاً.
صليت بالرسل الكرام جميعهم
أنت الإمام وكلهم يرضاه
إن هذه الصلاة تشير إلى النبوات يصدق بعضها بعضاً ويمهد السابق منها اللاحق فكان ذلك إقراراً أن الإسلام كله لله. قال تعالى «إن الدين عند الله الإسلام» وقال «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين».
وفي رحلة المعراج فرضت الصلاة، والصلاة هي معراج الأرواح حين يقف العبد ليناجي خالقه على بساط الذل ليحظى العبد بالدنو والقرب، إن الصلاة هي البراق الذي ينقل المؤمن بسرعة فيعبر طبقات البعد بينه وبين ربه فإذا هو يذوق لذة المناجاة بين يدي الله حين يذكر ربه في نفسه فيذكره الرب في ملأ خير منه من الملائكة بل ويباهي بهذه العبادة الملائكة.
إعداد ـ راية خميس المحرزي

