لدقيقة أنساه الصوت الكلثومي المنساب عبر مذياع السيارة خوفه من تبعات موعده الغامض في السفارة الأجنبية، هذا الموعد الذي طالما أجله رغم إيمانه بحتمية السير فيه، لتأمين حياة آمنة تتوفر فيها ظروف المعيشة المناسبة له ولعائلته، ولمستقبل يجنب أبناءه خيبات الأمل التي تعرض لها في مطلع شبابه بالبلاد العربية.
استحضر حلمه بدراسة الطب الذي ضاع لفقر عائلته، ما دفعه للعمل، تذكر حبيبته الأولى التي منعته ظروفه وعدم امتلاكه للشهادة الجامعية من الارتباط بها، استعاد احداث زفافها على احد زملائه بالمدرسة الذي دأب على نقل إجاباته، إلا أن القدر جعله طبيبا وذا مركز اجتماعي مميز.
تذكر مرض زوجته الوفية في حملها الأخير، وعجزه عن سداد فواتير علاجها في مستشفيات متخصصة، ما أدى إلى استفحال مرضها وتطور حالتها عند الولادة وترتب عليه حرمانهما من فرص إنجاب مستقبلية .
أقنع نفسه لفترة أن الهجرة هي الحل الوحيد لحالته فالتعليم والصحة مجانية، لن تتكرر ذكرياته الحزينة ، لن يرى من يحبهم يعانون من مرض او عوز، بل سيحضر فخورا حفل تخرج بكره كطبيب، وسيسلم ابتنته بفخر لزوجها العتيد، وسيشهد يوميا ابنه يذيع الأخبار في اكبر المحطات .
توقف عند سماعه الآذان ليصلي الظهر قبل توجهه للسفارة، قام وركع وسجد وسلم ودعا ربه أن يلهمه الصواب والبركة في سعيه الذي يقصد به الخير، كما يفعل الرجل العجوز الذي يحمل مسبحته بجانبه ويدعوا الله بإخلاص، ابتسم له وقال «اشملني بدعائك يا أبتِ فما اشد حاجتي للدعوات التي تبين لي طريق الخير من الشر في وجهتي التي ابتغي بها سد كربتي»، نظر له العجوز وسأله عن ماهية هذا الأمر..!؟ .
سكت العجوز وقال: وهل ستحقق السعادة والأمان بهذه الوجهة؟ فأجاب: وماذا أريد أكثر من التعليم والصحة والوظيفة! فقال العجوز: الرضا يا بني الرضا هو السر، فقد تحقق كل هذه الأمور لكنك لن تضمن السعادة لأن السعادة في الرضا الذي ينبع من داخلنا، فقد تحقق ما تريد لكنك قد تخسر قيمك ومبادئك وأخلاقك المتأصلة في نفسك والتي تعززها البيئة التي تحيطك.
وأكمل: ما فائدة شهادة ابنك في الطب عندما يعيش وسط بيئة مادية لا تعرف قيمة التواصل العائلي فلا تراه في العمر مرة، وما نفع زواج ابنتك من رجل كامل إذا لم تكن تعي طريقة بناء الأسرة والحفاظ على الزوج والوفاء له في ظل الحياة المنفتحة والخالية من الضوابط المتواجدة هناك، وما قيمة عمل ابنك بأشهر محطات الإعلام لكن كوسيلة لنقل الأفكار الهدامة والخاطئة عن العرب والمسلمين، لكنك هنا في بيئتك العربية والإسلامية تستطيع تحقيق كل ما أردت برضاك بواقعك واجتهادك في تحدي الظروف وغرس الإصرار والعمل والعزيمة لدى أبنائك، فليس كل ناجح أو ناجحة في حياتهما كان غنى أبويهما هو السر وراء هذا النجاح!؟
اخذ يقلب كلمات الداعية في عقله ويتذكر ماضيه بصورة أخرى، نعم لقد عمل في صغره ولم يكمل تعليمه، إلا أن صديقه وجاره الذي واكبه قد عمل أيضا لكنه أكمل في ذات الوقت تعليمه وأصبح الآن تاجراً كبيراً، صحيح أن حبيبته قد تزوجت غيره، لكنها أمهلته زمنًا ليتقدم لخطبتها وحالت مخاوفه دون اتخاذه موقفًا رجولياً نحوها، وحتى حادثة زوجته المرضية، رغم كونها قضاءً وقدرا إلا انه لم يشكر الله على نعمة أبنائه الثلاثة وبقاء زوجته معه.
وفجأة نظر حوله...لقد وصل إلى مكانه المنشود ولكن ليس أمام السفارة الأجنبية بل أمام بيته! لم ينتبه لنفسه وهو يسير عائدا في الاتجاه المعاكس مستهدفا بيته الذي يعرفه ويعرف خفاياه بدل توجهه للسفارة بكل تفاصيلها الغامضة، ابتسم ودخل إلى زوجته التي لاقته باستغراب وسألته «بهذه السرعة انتهت المقابلة!»، قال: نعم انتهت لكنها مقابلة مع نفسي وذاتي دبرها لي القدر وسأعمل منذ الآن على استثمارها لتحسين ظروف عائلتنا وتربية أبنائنا أفضل تربية، فهيئي نفسك وقولي للأولاد أننا سنخرج في نزهة إلى الحديقة العامة...
رباب جبارة
