التفكير بسر ما يحصل معه أصبح من الماضي منذ فترة ليست بالقصيرة، فالجهد الذي كان يبذله للوقوف على الحقيقة لم يأخذ الكثير من وقته فحسب، بل وكاد أن يتسبب له بوهن عصبي مزمن..لاشك أن فيه قدراَ كبيراً من المتعة والتميز عن الآخرين إلا أنه يجعل الخوف ملازماً لي .. قال لنفسه وهو يغلق حقيبته بعد أن استكمل ترتيب أغراضه التي سيحتاجها في رحلة سفره القصيرة الى الوطن التي لن تستغرق سوى عشرة أيام يعود بعدها ليتزوج من فتاته.

نظر الى ساعته وقال لنفسه.. مازال لدي الوقت لاحتساء فنجان من القهوة وتدخين المزيد من السجائر التي سأحرم منها الى أن تحط الطائرة في مطار الوطن، وتوجه الى المطبخ وشرع في صنع قهوته الداكنة الخالية من السكر، فأل خير كما تقول العجائز.

وأشعل سيجارة وأخذ منها نفساً طويلاً لتهدئة أعصابه التي تحفزت على نحو مفاجئ، وبتثاقل لم يستطع تفسيره قام بتبديل ملابسه ثم حمل حقائبه وغادر المنزل لملاقاة صديقه «عطية» الذي سيقوم بتوصيله الى المطار.ـ هذا ابن عمي «اشرف» وصادف أنه سيسافر على طائرتك نفسها

ـ اهلاً، تشرفت لمعرفته..افتح شنطة السيارة لأضع حقائبي..

تلكأ «عطية» قليلاً ثم قال:

ـ أرجو أن تتسع لحقائبك، فقد أحضر «اشرف» معه هدايا لكل الأقارب وجيرانهم

وبغضب سحب صديقه «عطية» جانباً وقال به:

ـ ما الذي فعلته، وما هذا الموقف المحرج الذي وضعتني وابن عمك فيه

ـ لا بأس «مروان» يمكن أن نضع بعض حقائبك على المقعد الخلفي..

وصرخ مروان : شكراً لك، وحمل حقائبه ووضعها في التاكسي الذي توقف استجابة لإشارته رافضاً الاستماع لنداء صديقه المندهش من مبالغة صديقه في رد الفعل على تصرف كان يحدث بينهما أكبر منه بكثير ويقابل بابتسامة.. الدهشة نفسها كانت تصيب «مروان».

وهو يركب «التاكسي» في طريقه الى المطار من مبالغته في رد الفعل على ازدحام الحقائب في سيارة صديقه.. هل كنت أبحث عن سبب كي لا أصعد في سيارة عطية.. لا أدري ... قال لنفسه.. إحساسه بالندم على ما فعل جعله حريصاً على تقديم ابتسامة عريضة مشفوعة بعدد من القبلات الهوائية لعطية الذي كان يجتاز التاكسي بسيارته ويبادل مروان الابتسامة والقبلات ذاتها..

توقف السير المفاجئ دفع مروان للطلب من سائق التاكسي القيام بحركات بهلوانية لتجاوز الازدحام ولكنه وصل لنقطة محددة ولم يعد قادراً على التقدم أكثر لأن سيارتي الاسعاف كانتا تسدان الطريق الراحة التي ارتسمت على وجوه رجال الدفاع المدني وهم ينجحون في إخراج أحد الأشخاص المحتجزين داخل السيارة المنكوبة انعكس صدمة عنيفة على ملامح «مروان» دفعته للهجوم على سيارة الإسعاف واحتضان صديقه عطية الذي كان غائباً عن الوعي والدم ينزف منه بغزارة..

...اعقاب السجائر تملأ المنفضة أمامه، فيما تحفر كالمعول في رأسه جملة واحدة قالها الطبيب وهو يطل من باب غرفة العمليات: لم ينجوا.. البقية في حياتك..

نعم لقد شعرت أن أمراً ما سيحصل.. ولكن لماذا لم أبلغهما.. وحتى لو قلت لهم... كانا سيسخران مني بالتأكيد كما في أحداث سابقة...

الخروج من الصدمة والحزن كان ضرورياً، خاصة وأنهما لن يعيدا الأحبة الغائبين، فتزوج دون طقوس بعد مرور ثلاثة أشهر على وفاة صديقه «عطية»، ولم تكن صبيحة ذلك اليوم تشير الى أي شيء غير اعتيادي، سوى تلك السعادة البادية على وجه مروان وزوجته وهما في طريقهما الى المدينة القريبة لزيارة شقيقتها، إلا أن حبل السعادة انقطع فجأة عندما جنحت احدى الشاحنات واصطدمت بسيارتهما الصغيرة التي تحولت الى ما يشبه الكرة المعدنية ما جعل رجال الدفاع المدني والإسعاف في حالة ذهول.

وهم ينتشلون مروان وزوجته أحياء لم يصابا إلا ببعض الخدوش، وكان ذهولهم أكبر عندما انخرط «مروان» في نوبة ضحك هستيري ثم صاح موجهاً كلامه لزوجته: الحمد لله لم أشعر بمقدمات الحادث.. لقد تخلصت منها.. تباً لها.. تباً للحاسة السادسة ..و نهض من نومه كالممسوس.. أه لابد أنه كان حلماً ..قال لنفسه، واتجه نحو المطبخ لإعداد القهوة له ولزوجته لأن أمامها رحلة لزيارة شقيقتها.. أه تباً لقد اندلقت القهوة!

خالد اللوباني