المكان الطافح بعبق الياسمين الدمشقي يداهم الروح منذ اللحظة الأولى التي تلج فيها إليه ويدفع إلى القلب ذكريات الرحلة الأولى إلى باب توما والصالحية وحواف جبل قاسيون، كما تحملك الابتسامة التي يقابلك بها الحلاق »محمد عبد الوهاب« الذي يدير المكان على نسمة قادمة من »العفيف« مروراً بال»الجسر الأبيض«، وصولاً إلى منطقة الحجاز الرابضة على مدخل سوق الحميدية..
الابتسامة عريضة أكثر من كل يوم يا محمد.. ما الأمر؟
ما يعجبني بك أنك لا تدع شيئاً يفوتك.. نعم أنا سعيد جداً اليوم.
أستطيع تمييز ذلك، ولكن ما سر ذلك أريد أن أفهم؟
اليوم حدث أمر غير متوقع، فقد جاء للحلاقة عندي واحد من الجيران كان دائم الرفض أن يكون زبوننا.
ولماذا كان يرفض ذلك؟
في الواقع كنت مثلك في حيرة شديدة من موقفه هذا، إلا أن حلاقتي له للمرة الأولى جعلتني أفهم الأمر، بل وأتفهمه أيضاً.
هل كان يملك سبباً جوهرياً من خلال ما توصلت إليه؟
بالنسبة إليه نعم، ولكن من وجهة نظري فالأمر مرتبط بعدم الثقة بالآخرين.
لقد أدخلتني في دهاليز كثيرة وجعلتني غير قادر على فهم شيء
لا ترتبك يا جار، المسألة بسيطة جداً ولا تحتاج لكل هذا التعقيد
أرجوك اشرح لي الأمر وببساطة
كل ما في الأمر أن هذا الرجل كان متعمداً أن يذهب للحلاقة لدى صالون بعيد عن البيت حتى يكون سره بأمان ولا يكشفه الجيران
أيضاً أنا لم أفهم بعد
الصبر يا جار.. السر يتمثل في أن لديه في رأسه آثار »ثعلبة« كبيرة جعلت منطقة من رأسه لا ينبت فيها الشعر، وهو يخجل من ذلك
طيب، وكيف ترى أن هذا الأمر مرتبط بعدم الثقة بالآخرين؟
لأنه من الواضح أنه لا يثق بأحد، ويعتقد بأن الجميع سيبادرون إلى نشر الخبر.
وهل تكتمون السر فعلاً في عالمكم كحلاقين؟
رغم أنه لا أسرار كثيرة في عالمنا، لأنه إما أن يكون الشخص لديه شعر أو أصلع ولا خيار ثالث، ومع ذلك فإنه إذا ما شاهدنا شيئاً خاصاً أو علامة فارقة لدى الزبون نحتفظ بذلك لأنفسنا
بالعودة إلى الزبون »أبو ثعلبة«، كيف فسر إقباله لأول مرة على الحلاقة لديك؟
ضاحكاً ..
أبو ثعلبة... يبدو أن الأسماء أيام الجاهلية كانت تجري على هذا النحو.. وبالنسبة للزبون كان محرجاً ومتردداً أول الأمر، لكنه بعد لحظات بدأ يتصرف بشكل طبيعي، كما لفت انتباهي أنه لم يحاول أن يوصي بأي إجراء لتغطية الثعلبة
وكيف تفسر هذا التصرف الغريب؟
الدنيا صغيرة يا جار، وكما قال الشاعر يأتيك بالأخبار من لم تزود
فسر لي الأمر يا طرفة بن العبد
ومن طرفة هذا، حلاق في »سيتي سنتر«؟
هذا صاحب بيت الشعر الذي ذكرته
أخيراً استفدنا منك بمعلومة يا جار
شكراً
يا سيدي لقد فهمت السر عندما دخل صديق عزيز لي إلى الدكان وهو حلاق في منطقة أخرى أيضاً وسلم على »أبو ثعلبة« بحرارة لأفهم لاحقاً أن صديقي هو من كان يحلق له خلال الفترة الماضية، ويبدو أنه قد شاهد هذا الصديق يزورني في المحل فأدرك أنه من الممكن أن يكون قد أخبرني بأمر الثعلبة، لذالك قرر توفير الجهد والرحلة البعيدة للوصول إلى الحلاق!!
خالد اللوباني
