تكهنات وأسئلة كثيرة تتدافع إلى مخيلتك حول سر العداء المستحكم بين »أم أيمن« والمشط وبقية أدوات الزينة عند المرأة، والعداوة التي قد تمتد إلى الاستحمام أيضاً، هذا الأمر الذي تستطيع تبينه من النظرة الأولى نحوها وهي تتسلم مهام البيع ضمن ورديتها المسائية اليومية في الدكان الوحيد في الحي.

حيث يتعاقب كل أفراد الأسرة على البيع طوال اليوم في رحلة يبدأها »أبو أيمن« صباحاً وتنتهي بعد منتصف الليل بقليل بأحد الولدين »عبد السلام« أو »أيمن«..الانطباع الذي تكون لدى الجيران والزبائن حول أم أيمن كان راسخاً أيضاً لدى زوجها بشكل غير خافٍ على أحد رغم كل محاولاته للإنكار، فقد كان سلوكه ونظراته نحو النساء »الزبونات«، وطريقة حديثه معهن توحي بعمق محنته.

. فهو كمن خرج من مشهد ممل وجاف نحو منعطف رومانسي ناعم عندما ينتقل ليبيع امرأة دخلت الدكان فجأة فيما هو منشغل مع أحد الزبائن الذكور الذين باتوا يفهمون ظروفه وينسلون خارجين ليعطونه الفرصة لاستعراض ذكائه وحنكته في إدارة الدكان وتدبير شؤون العائلة، هذا الاستعراض الذي كان كثيراً ما يجابه بتعليقات خبيثة من بعض النسوة اللواتي كن يتهامسن خلال حديثه: بأن ذكاءه وحنكته لم تمنحاه القدرة على إقناع زوجته بالاستحمام أو بتسريح شعرها، وكثيراً ما كان »أبو أيمن« يتجاهل هذه التلميحات الخبيثة ويتابع سرد قصص بطولته..

وإن بحماسة أقل.الجميع كان متعاطفاً مع »أبي أيمن« بمواجهة إهمال زوجته التي كان اطمئنانها إلى ديمومة حياتها الزوجية متكئاً على أولادٍ ثمانية أنجبتهم له واحداً تلو الآخر، حتى أن بعضهم ولد في العام نفسه الذي ولد به شقيقه، ومقابل هذا الاطمئنان من الزوجة كان يبدو هو مستسلماً بالكامل رغم أن من يراه لا يمكن أن يقدر عمره الحقيقي إلا بأقل منه بكثير.

كما كان وسيماً أيضاً وذرب اللسان وخصوصاً مع النساء وهي خصل هامة لم تدفع بالقلق إلى نفس »أم أيمن« أو تشكل حافزاً لها لتسريح شعرها والاستحمام.وبشكل مفاجئ غمرت الشائعات المكان، وبدأت الهمسات تسري كالنار في الهشيم حول قيام »أبي أيمن« بالزواج من امرأة أخرى.

وكان أحد أسباب سريان هذه الشائعات تراجع معدلات انضباطه والتزامه بالتواجد في الدكان واختفائه لفترات طويلة عن الأعين خلال النهار.. وتجاهل »أبو أيمن« هذه الهمسات طالما أنها لا تصل إلى مسامع أسرته، إلا أن سطوة الزوجة الجديدة بدأت تظهر عندما بدأ يتأخر في العودة إلى البيت ليلاً ما جعل المحظور يقع وتجتاح الحكاية الجديدة منزل العائلة الذي عقد مجلس أركان حرب بقيادة »أم أيمن« جرى تكليف كل من أيمن وعبد السلام بمهمة التحقق من الأمر واتخاذ الإجراءات الميدانية المناسبة..

وآتت الرقابة اللصيقة أكلها وتم التعرف إلى منزل الزوجة الجديدة ومداهمته من قبل الولدين اللذين لم يحتملا رؤية والدهما مع سيدة أخرى غير أمهما فانهالا ضرباً عليها ولم يخرج والدهما بدوره سالماً من المعركة التي التقيته بعد حدوثها بأقل من ساعة واحدة ليبوح لي بأن ولديه هما سبب الكدمات في وجهه، مشيراً إلى أنه لم يفعل شيئاً سوى الزواج من أخرى على سنة الله ورسوله، فقلت له ..

لقد تأخرت كثيراً في ذلك.. عموماً سأتحدث إلى الأولاد مستغلاً محبتهما الكبيرة لي لتهدئة الوضع..وتوجهت إلى الدكان حيث كان مجلس الحرب لازال منعقداً فأم أيمن ترخي غطاء رأسها على كتفيها علامة على الغضب الشديد، حيث تظهر كتل الشعر التي لازالت بكراً لم يمسسها مشط بعد، والأولاد والبنات يحيطون بها فيما هي توزع الأدوار..

فانتحيت بأيمن جانباً وقلت له يا بني ما فعلته بوالدك لا ينسجم مع أعرافنا وتقاليدنا وديننا لأنه والدك أولاً، وهو بزواجه لم يجانب الشرع أيضاً.. نظر إليَّ أيمن مطولاً ثم نقل نظره إلى والدته المنهمكة بإعداد الخطط الحربية ورد عليَّ: من قال لك بأنني فعلت ما فعلت اعتراضاً على زواجه من أخرى، بل لأنه تزوج امرأة أكثر دمامة وإهمالاً من أمي..التعاطف الذي كان يصب في مصلحة »أبي أيمن« انقلب إدانة له وتأييداً لأم أيمن التي كانت بالمقارنة مع الزوجة الجديدة مثل »انجلينا جولي« على حد وصف أحد الجيران، وهو ما دفع »أم أيمن« إلى تلمس المشط المسجى على أحد رفوف الدكان.

خالد اللوباني