تعد الدكتورة أمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر من أبرز الداعيات، وهى صاحبة آراء ووجهات نظر واجتهادات في معظم القضايا والمشكلات التي تمس المجتمع الإسلامي، ولها رؤيتها المتميزة في شتى القضايا والمشكلات الإسلامية التي تطرح بين الحين والآخر على الساحة، د. أمنة نصير فتحت قلبها لـ «البيان».

وناقشت معنا العديد من القضايا التي شهدتها الساحة الإسلامية في الفترة الأخيرة، ومنها عمل المرأة في السياسة، والجدل المتكرر على حقيقة وجود النقاب في نص قرآني، وكذلك مطالبتها بوجود فقيهة للنساء إلى جانب المفتي، وغيرها من القضايا المثيرة للجدل.. وهذا نص الحوار:

إلى أي مدى نجحت المرأة في مجال الدعوة الإسلامية؟ نجاح المرأة في مجال الدعوة الإسلامية مازال محدوداً، ولا يوجد في الساحة ما يصل إلى عدد من الداعيات يمكن أن نقول عنه وافياً، لأسباب كثيرة أهمها تكوين المرأة خصوصاً الريفية التي لم تعتد على جرأة المواجهة وتحمل مشقة الدعوة.

أما العامل الأكبر في تراجع دور المرأة العربية في مجال الدعوة الإسلامية فيرجع إلى أن الأستاذ في الجامعة لا يشجع الفتاة الأزهرية على أن تنضج وتقوى على مواجهة العمل الدعوي؛ بل أكون أكثر صراحة.. هو يقف في بعض الأحيان عائقاً من خلال التربص بأداء المرأة في حقل الدعوة وتصيد أي هفوة لها إلى آخر هذه العوامل النفسية التي لم تعن المرأة على الإقدام للعمل في ميدان الدعوة الإسلامية.

بعض الفنانات بعد اعتزالهن الفن اتجهن للعمل في مجال الدعوة الإسلامية كيف ترين ذلك؟

اقتحام الفنانات مجال الدعوة الإسلامية له وجهان: الأول أن هذه الفنانة لها جمهورها ولها قبولها فخرجت من شهرة الفن ودخلت شهرة الدعوة، وهو أمر لا بأس به، إذا توقفت الفنانة عند حدود النصائح والمواعظ وتجربتها في مجال الفن، لكن أحذرهن من الخوض في مجال تتحمل الفنانة وزره في الدنيا والآخرة وهو مجال الفتوى لأن هذا المجال يحتاج تخصصاً ومشقة.

لكن لماذا دائماً في عالمنا العربي يستغرب البعض ويبدي اندهاشه من المرأة الداعية؟

الموروث الثقافي والأعراف الاجتماعية لها دور كبير في زعزعة عمل المرأة في مجال الدعوة الإسلامية، مع أن القرآن الكريم قرن الرجال بالنساء في الدعوة فيقول تعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» [التوبة: 71، كما أن كثيراً من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كن معلمات وداعيات بين السيدات في إطار النبوة ما يدل على أن عمل المرأة بالدعوة قديم؛ ولو عدنا إلى تاريخنا لوجدنا الكثير من السيدات كن راويات للحديث ومعلمات.

كثيرون لا يفهمون سبب إصرارك على أن تكون هناك مفتية للنساء؟

انا مصرة على هذا الاقتراح لوجود قضايا نسائية بحتة، سواء في العلاقات الزوجية أم الخاصة للمرأة، لأنه إذا وجدت قاضية للنساء سوف تكون أكثر اقتداراً على تلبية حاجات النساء في تلك الأمور الخاصة التي قد تخجل عن الإفصاح بها إلى مفتي؛ فتركيا طبقت هذه التجربة ونجحت؛

وأتمنى أن تسود في العالم الإسلامي؛ فما المانع من أن يكون بكل محافظة مفتية للنساء كمرجعية، فمن شأن ذلك أن يرتقي بالثقافة الشرعية، ولكن المؤسسة الدينية في مصر لا تساعد أو تشجع المرأة على العمل في هذا المجال، وأبسط مثال مجمع البحوث الإسلامية، حيث يضم عدداً من الأشخاص أقل كفاءة من الأستاذات المتخصصات.

ومن هذا المنطلق أطالب بتعيين مساعدات من أساتذة الفقه للمفتي تكون مهمتهن إصدار الفتاوى النسائية، وهذا الإجراء يعتبر خطوة جيدة تتناسب مع اسم مصر، ومكانتها الدينية، خاصة أن الإفتاء شرطه الوحيد هو التخصص، ولا يشترط فيه الذكورة، وهو عمل علمي لا دخل له بالجنس.

هذا يقودنا إلى السؤال عن مؤهلات المفتي ودور الفتوى في خدمة المجتمع؟

مؤهلات المفتي أن يكون له عدة مؤهلات مثل الشهادة العلمية، والقدرة على الاستنباط والتحليل والاطلاع على الفقه المقارن، وإجادة القرآن الكريم واللغة العربية، وأن يكون على دراية واسعة بتاريخ السيرة النبوية؛ لأن الكثير من القضايا تحتاج لمثل هذا التنوع، ولكن اليوم نجد الكثير من المفتين لديهم مؤهلات؛ وليس لديهم قدرة على الاستنباط والفتوى تقوم بتبصير المجتمع، والمفتي كالطبيب يعالج أمراض البشر بالأحكام الفقهية.

* كيف تنظرين إلى فتاوى الفضائيات التي انتشرت بشكل كبير عبر الفضائيات؟

الفضائيات ساهمت بشكل كبير في ظهور فوضى الفتاوى، وكثيراً ما نجد بعض الشيوخ يصدرون فتاوى ثم يسترجعون أنفسهم، ويعتذرون وهذا يمثل فوضى وأنا ضد فتاوى «التيك أواي» لأنها تقلل من هيبة الإفتاء؛ وأرى أنه لا حرج على الشيخ أن يعتذر عن السؤال الذي لا يعلم عنه شيئاً؛ فهذا لا يقلل من شأنه بل يزيد؛ ولكننا نجد على الفضائيات المتعددة الآن يحدث عكس هذا تماماً، وأصبح الهدف الوحيد هو الشهرة والمال.

كداعية إسلامية.. برأيك لماذا ازدادت الخلافات الزوجية في الآونة الأخيرة والتي دائماً ما تحسم بالطلاق؟

ذلك يرجع إلى عدم التدين؛ وعدم نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة؛ فاليوم نجد فئات في المجتمع تأخذ الدين بالشكل والمظهر دون المضمون؛ وفريق آخر بينه وبين الدين الإسلامي خصومة؛ بينما ضاعت مساحة الطبقة الوسطى لأن الذين يفهمون الدين للأسف أصبحوا قلة؛ وهم الذين اتبعوا منهج الإسلام الصحيح.

نرى تعدداً في أنواع الزواج؛ وتحت مسميات عديدة لإضفاء نوع من الشرعية عليه.. كيف ترين ذلك؟

تعدد أنواع الزواج يمثل نوعاً من الانفلات في المجتمع؛ وهى ناتجة عن أسباب اقتصادية أو تربوية، في ظل ظروف لا توجد فيها أعمال، وتتفشى البطالة فكل هذه الأمراض زحفت على المجتمع،

وأوجدت نوعاً من الفوضى؛ كأن كل فريق يريد أن يفعل ما يريد؛ ففريق ذهب للزواج العرفي؛ وفريق آخر ذهب لزواج المسيار؛ رغم أن كثيراً من رجال الدين أيدوه؛ ولكنه ناقص يحتاج إلى الأهلية الاجتماعية والاقتصادية؛ وذهب فريق آخر لزواج الدم والكاسيت؛ وهناك زواج الطابع وهى وسائل تؤدي إلى خراب الإنسان المسلم؛ وانفلاته؛ ولذلك لابد من الالتزام بالضوابط الشرعية الحقيقية.

ما رأيك في تعدد الفضائيات الدينية وهل تقوم بدورها الحقيقي في خدمة الدعوة الإسلامية؟

للأسف رغم كثرتها إلا أنها لم تقم بدورها الصحيح؛ ما عدا القليل منها فأغلبها لم يؤد دوره في تعليم ونشر الثقافة الدينية؛ وخلق المواطن السليم؛ بل أوجدت تلك الفضائيات حالة من الزعزعة والاضطراب؛ وأدخلت على الإسلام أشياء شغلت بها الناس مثل تفسير الأحلام والسحر.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية