الحوار وسيلة أساسية من الوسائل التعليمية، بل إنه الوسيلة الأهم والأنجع في نقل المعلومات وتلقينها وترسيخها في الأذهان، بما يتيحه للطرفين من فرصة للسؤال والجواب والاستفهام والتوضيح. ويشير الدكتور محمد زرمان إلى أن البعد التعليمي نلمسه بوضوح كبير في الحوارات النبوية، لأن الرسول الكريم قد بعث معلما كما بعث هاديا ومبشرا ونذيرا.

وقد بدأ الدور التعليمي للنبي عليه الصلاة والسلام منذ اللحظة الأولى التي نزل فيها عليه الوحي، حيث باشر الدعوة إلى الله، وكلما اهتدى أحدهم إلى الدين الجديد تبع ذلك جلسات تعليمية عديدة يتعرف فيها على التصورات الجديدة التي تغير تركيبة عقله ونفسه وتصوغه صياغة مختلفة وتجعله مهيأ لحمل أمانة الدعوة. وقد استمر الدور التعليمي للنبي صلى الله عليه وسلم طوال سنوات البعثة ولم يتوقف إلا بالتحاقه بالرفيق الأعلى، إذ كان التعليم ركنا أساسيا من أركان تبليغ الرسالة وإيصال كلمة الله إلى الناس جميعا.

وقد تنوعت الأساليب والطرق التي كان يدير بها الرسول صلى الله عليه وسلم حواراته التعليمية بحيث تؤدي الغرض وتحقق الهدف منها، وتوصل المعلومات إلى جمهور الحاضرين. فتارة يبدأ الحوار بسؤال من أحد المسلمين، وتارة يكون السؤال صادرا عن النبي عليه الصلاة والسلام لتصحيح المفاهيم أو توضيح بعض الأحكام، وتارة أخرى تكون تصرفات بعض المسلمين مدعاة لفتح الحوار لتصحيح الأخطاء وتوجيه الجميع الوجهة الصحيحة.

وفي أحيان أخرى يكون تعقيب أحدهم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم للاستفسار أو الاستيضاح طريقا لفتح حوار تعليمي يستفيد منه السائل وغيره، مثل حديث (ما تعدون الشهيد فيكم؟)، وحديث (إياكم والدخول على النساء) وحديث (المسلم لا ينجس) وغيرها. وقد بلغ اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالتربية مبلغا كبيرا، لأنه كان يدرك أن صياغة الوجدان البشري وتربيته من أصعب المهمات التي وكل بها الأنبياء والرسل.

وقد بدأت هذه العملية الحيوية مع البعثة ولم تنته إلا بالتحاق الرسول بالرفيق الأعلى.وقد اختلفت الطرق والوسائل التربوية التي اعتمدها الرسول صلى الله عليه وسلم في القيام بهذه المهمة النبيلة، وكان الحوار إحدى هذه الوسائل التي هذب بها الأخلاق، ونقى السرائر، وطهر الأرواح.

ومما لا شك فيه أن الحوار التربوي له أثره في النفس والوجدان، لأنه لا يأتي في شكل أوامر صارمة تتطلب التنفيذ، وإنما يأتي بعد أخذ ورد يتبادل فيه الطرفان الأسئلة والأجوبة والتعقيبات والاعتراضات لتتبين أوجه الحق في القضية محل النقاش، فيكون الهدف التربوي سريع التحقيق لاشتراك صاحبه في المحاورة والمراجعة.

وحوارات النبي صلى الله عليه وسلم التربوية كلها تهدف إلى غرس القيم الفاضلة في النفوس، وتصحيح المفاهيم الخاطئة في الأذهان.وقد ترك لنا من خلال مواقفه التربوية ثروة من المبادئ والأخلاق التي لا غنى لأي مسلم عنها، فيها يجد ضالته، وعندها يقف على أسرار النفس الإنسانية وفضائلها وعيوبها.

Tantawi2007@gmail.com

السيد الطنطاوي