عندما دخلت قوات «التحالف» إلى بلادها كانت لا تزال صغيرة في المرحلة الابتدائية، لكنها كانت تسمع عن جنود هذه القوات الشيء الكثير، فهم أقوياء البنية، مقاتلون أشداء ويمتلكون من المعدات المتطورة ما يمكنهم من تدمير آليات العدو عن بُعد.
كانت الفتاة مبهورة بهؤلاء الجنود شأنها في ذلك شأن جميع الفتيات في تلك المرحلة، لذا أحبتهم وتمنت لو تلتقي بهم أو بأحدهم. عندما كبرت وأصبحت في المرحلة الثانوية التقت صدفة بثلاثة منهم كانوا يتناولون الطعام في أحد الفنادق. تقدمت الفتاة منهم وقالت لهم بأنها تحبهم لأنهم ضحوا كثيراً من أجل بلادها، ثم قامت بتقديم مجموعة من العطور لكل واحد منهم، كانت اشترتها من الفندق.
لقاءات متعددة
لم تنس الفتاة وهي تقدم الهدايا للجنود أن تكتب على كل هدية رقم هاتفها النقال وعنوانها الالكتروني، أملاً في أن تتواصل معهم. بعد ثلاثة أيام تلقت رسالة على بريدها الالكتروني من أحدهم يقول فيها بأنه أُعجب بها ويشكرها على هديتها، فهو لا ينام إلاّ ويضع على وسادته قطرات من مجموعة العطور التي أعطتها له.
كادت الفتاة تطير من الفرح، عندما تسلمت الرسالة، فقامت بالرد عليها طالبة من الرجل أن تلقاه في ذات المكان، جاء الرجل هذه المرة وحده فجلس مع الفتاة وقدم لها هدية عبارة عن ورقة مقواة عليها شعار كتيبته العسكرية.
أخذت الفتاة الهدية وكانت مجنونة بها، حتى أنها لم تُبق صديقة لها إلاّ وأطلعتها على تلك الهدية، استمرت اللقاءات بين الفتاة والجندي، ولأن الفتاة كانت من عائلة غنية جداً ولديها الكثير من الأموال، فقد أغدقت على الجندي هدايا وملابس ومبالغ نقدية تجاوزت عشرات الآلاف من الدولارات.
كانت الفتاة مندفعة في عواطفها نحو الجندي بكل ما تستطيع، ورغم أن إحدى صديقاتها حذرتها من تلك العلاقة وهذا الاندفاع، إلا أنها رفضت ذلك قائلة بأنها تحبه وأنه يريد أن يتزوجها بعد أن يعلن إسلامه. أصبحت اللقاءات تتم بين الجندي والفتاة في إحدى الغرف المغلقة في فندق خمس نجوم، فقد كان الجندي يحجز الغرفة باسمه والفتاة تدفع جميع التكاليف.
استمرت العلاقة بين الاثنين نحو ثمانية أشهر، أخذ الجندي من الفتاة كل ما أراد مقابل وعد منه بأنه سيتقدم لخطبتها بعد انتهاء فترة خدمته العسكرية في بلادها. في أحد الأيام جاءها إلى الفندق ليخبرها بأنه مسافر ليزور والدته المريضة وأن غيابه لن يدوم طويلاً، وأنه عندما يعود سيُنهي كل الترتيبات الخاصة بزواجهما.
عندما غادر الجندي كانت الفتاة في وداعه بالمطار، حيث حمّلته بالكثير من الهدايا غالية الثمن، كما أنها لم تبخل عليه ب(80) ألف دولار لتساعده في علاج والدته. بعد نحو شهر من مغادرته بلادها طلبت الفتاة من الجندي الرجوع، لكنه أخبرها بأنه سيمدد فترة إجازته لأن والدته لا تزال مريضة، وطلب منها أن ترسل له بعض المال، قائلاً بأنه سيعيد إليها المبلغ عندما يعود إلى وحدته التي لا تزال في بلادها. بدأت الفتاة ترسل الحوالات المالية وبدأ قلقها يزداد بسبب غياب الرجل الذي أحبته من كل قلبها وقدمت له كل شيء بدون مقابل.
السفر إلى بلاد الحبيب
بعد غياب استمر نحو خمسة أشهر قررت الفتاة السفر إلى بلاد حبيبها وعندما أعلمته، بنيتها هذه، رحب بالفكرة أيما ترحيب وقال بأنه سينتظرها في المطار ليريها بلاده الواسعة ويجعلها تعيش أحلى أيام حياتها.
رتبت الفتاة نفسها للسفر ولكي لا يلاحظ أهلها ذلك وضعت حقيبة ملابسها عند صديقتها، ومن بيت صديقتها خرجت إلى المطار. كانت تنتابها مشاعر مختلفة، فهي تخشى أن يعرف أهلها بسفرها ويعيدوها إلى البيت فلا تستطيع أن ترى حبيبها مرة ثانية، وفي الوقت ذاته كانت سعيدة جداً لأنها سترى الإنسان الذي أحبته وستزوره في بلاده التي سمعت عنها الشيء الكثير.
بقيت هذه المشاعر تنتابها حتى لاحظت على شاشة التلفزيون الذي أمامها في الطائرة جملة مفادها بأن على الجميع ربط الأحزمة لأن الطائرة ستعبر مطبات هوائية فوق المحيط الأطلسي، قالت الفتاة في نفسها يا إلهي أنا الآن فوق المحيط الأطلسي وخلال ساعات سأكون في مطار (.....)، ربطت الحزام وأخذت نفساً عميقاً وأغمضت عينيها في هدوء وأرخت لخيالها العنان وبدأت تفكر كيف سيكون اللقاء معه، ومع والدته، وفجأة تذكرت والدها ووالدتها وإخوتها وكيف ستكون ردة فعلهم عندما يعرفون بأنها سافرت للقاء رجل غريب بدون إذنهم.
بعد رحلة استمرت نحو (11) ساعة وصلت الطائرة إلى وجهتها دخلت الفتاة إلى مطار كبير جداً وشاهدت حولها أناساً لا تعرفهم ولا يعرفونها ووجوهاً لم تألفها، كانت الحركة في المطار سريعة جداً، الكل يركض هنا وهناك وسماعات المطار تعلن كل ثلاث دقائق عن وصول طائرة أو مغادرة أخرى، أحست الفتاة بأنها في عالم آخر فعلاً وتمنت لو ترى أحداً يساعدها ويرشدها إلى أين تذهب، وكيف تتصرف.
وأخيراً جمعت شجاعتها، وتقدمت نحو ممر يوصل للجوازات حيث أنهت معاملتها واندفعت خارج المطار تبحث عن الجندي المجهود وسط هذه الآلاف من البشر. أخيراً قررت أن تنهي حيرتها حيث تقدمت إلى أحد رجال الشرطة في المطار وأخبرته بأنها تصل إلى هذه البلاد لأول مرة ولا تعرف أين تذهب وأعطت رجل الشرطة هاتف صديقها حيث قام الشرطي بالاتصال بالجندي الذي حضر وتسلم الفتاة.
شعرت الفتاة بسعادة كبيرة وهي تدخل شقة الجندي وشعرت بسعادة أكبر وهي ترى مظاهر الإعجاب على وجهه وهي تقدم له الهدايا التي أحضرتها له من بلادها. بعد ذلك قامت بإرسال رسالة من هاتفها النقال إلى والدتها قالت فيها إنها عبرت الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي وأنها تعيش بسعادة مع الرجل الذي أحبته.
عندما قرأت المرأة رسالة ابنتها أصيبت بحالة من التشنج أما والد الفتاة فقد عقد العزم على أن يستعيد ابنته مهما كانت العقبات حيث قرر في اليوم التالي أن يذهب إلى سفارة الجندي لتساعده على استعادة ابنته.
الشعور بالملل
بعد مضي شهر على وجودها في البلاد البعيدة بدأت الفتاة تشعر بالملل، فالرجل الذي أحبته لا ينفق عليها بل إنها هي التي تأخذه على النوادي والفنادق وهي التي تدفع كل شيء حتى أن ما لديها من أموال نفدت، لذا اضطرت لأن تطلب مبلغاً من المال من إحدى صديقاتها، لكن المبلغ الذي حولته لها صديقتها كان متواضعاً.
شيء آخر اكتشفته الفتاة وهي أن والدة الجندي توفيت وعمره خمس سنوات، وأن كل ما قاله عن والدته كان مجرد خدعة، ثم اكتشفت شيئاً آخر وهو أن عودته إلى بلاده كانت بسبب انتهاء خدمته كجندي بعد أن قضى خمس سنوات في الخدمة. أصيبت الفتاة بالاحباط لكنها لم تشأ أن تعترف لنفسها بأن الرجل الذي أحبته وضحت بأهلها وببلادها من أجله إنسان مخادع.
في إحدى الليالي طلبت الفتاة من الجندي أن يفسر لها كل ما يجري حولها، وطالبته بأن يتخذ خطوات عملية من أجل إتمام زواجهما، فما منه إلا أن طلب منها أن تعطيه نقوداً لأنه يريد أن يذهب ليسهر في أحد النوادي، وعندما قالت له عليه أن ينتظر قليلاً حتى تستعد للذهاب معه، رفض ذلك قائلاً انه لم يعد يرغب في اصطحابها معه، حيث ان ثقافتها الشرقية ولغتها الإنجليزية المتواضعة تثير ضحك أصدقائه.
عندما رفضت الفتاة أن تعطيه النقود، ما كان منه إلا أن صفعها على وجهها، وأعاد لها رشدها الذي فقدته منذ أن تعرفت إليه. أحست الفتاة بالضياع، فهي لا تستطيع أن تلجأ إلى سفارة بلادها ولا تستطيع أن تعود إلى أهلها، وبدأت تشعر بمدى الخطأ الذي ارتكبته منذ أن تعرفت إلى الجندي.
حاولت أن تعرف من والدتها ردة فعلها واخوانها إن هي عادت، لكن والدتها أخبرتها بأن والدها سيقتلها عندما يراها، وأن قوات حلف شمال الأطلسي كلها لن تمنعه من ذلك. وقالت لها والدتها إنها ستحاول أن تلجأ إلى إحدى الجمعيات الخيرية لتساعدها في العودة إلى بلادها دون علم والدها حتى يتدبروا الأمر، اتفقت الفتاة على أن تبقى على اتصال مع والدتها لتطلعها على آخر المستجدات.
في المقابل أصبح الجندي يتصرف بطريقة عدائية تجاه الفتاة بعد أن أصبحت لا تملك المال، وما زاد الطين بلة أنه أصبح يمكن أصدقاءه من استباحة جسدها مقابل أموال يأخذها هو لنفسه. لم تستطع الفتاة التحمل، لذا طلبت من والدتها أن ترسل لها مبلغاً كبيراً من المال لأنها ستسافر إلى دولة مجاورة لدولتها، ومن هناك ستحاول أن تعود إلى بلدها دون علم والدها واخواتها.
نفذت الفتاة الخطة وعادت إلى الدولة المجاورة لدولتها تاركة وراءها ذكريات سيئة وجندياً امتهن كرامتها وباع جسدها لأصدقائه. بعد وصول الفتاة إلى الدولة المجاورة لدولتها استأجرت شقة مفروشة وحاولت أن تجد عملاً يساعدها على الحياة، لكنها لم تتمكن، وخلال تلك الفترة كانت على اتصال بوالدتها التي كانت تزودها ببعض المال.
بدأت أحوال الفتاة تسوء، وبدأت الديون تتراكم عليها، لذا قررت أن تعمل في أحد النوادي الليلية لتكسب المال، كان والد الفتاة على يقين بأن زوجته تعرف جيداً أين ابنته، ولكنها كانت تخفي عنه ذلك حتى لا يذهب إليها ويلحق بها الأذى. في أحد الأيام، طلبت الزوجة من زوجها مبلغاً كبيراً من المال، فقام بإعطائها المال دون أن يسألها أين ستذهب به لأنه كان يعرف أنها ستحول المال إلى الفتاة.
بدأ الرجل يراقب زوجته دون أن تشعر، حيث غادر المنزل كعادته في الصباح، لكنه لم يذهب إلى عمله، بل بقي يراقب زوجته التي استغلت غياب زوجها حيث ذهبت إلى أحد البنوك لتحول المبلغ إلى ابنتها. كان الرجل يتابع كل خطوات زوجته، وعندما حضر عند الظهر كالعادة، استغل انشغال زوجته ثم فتح حقيبة يدها وأخذ الحوالة البنكية، حيث عرف من الحوالة أن ابنته تعيش في دولة مجاورة.
بعد أقل من «24» ساعة كان الرجل في الدولة المجاورة التي تعيش فيها ابنته، ذهب إلى الفنادق والشقق المفروشة، وأخيراً اهتدى إليها وعندما ذهب إلى الشقة التي تعيش فيها لم يجدها، لكنه تأكد من حارس البناية بأنها تعيش في الشقة رقم «.....»، وعندما سأله أين تعمل أو توجد أخبره الحارس بأنه لا يعرف ولكنه قال له بأنها تعود عادة في ساعات الفجر الأولى من كل صباح.
أخذ والدها ينتظرها أمام العمارة لكن ساعات الفجر انتهت وانتصف النهار ولم تظهر الفتاة، أحس الرجل بتعب شديد فعاد إلى الفندق كي ينام. عند العصر جاءت الفتاة حيث أخبرها حارس البناية بأن هناك رجلاً يبحث عنها، وعندما طلبت منه أن يصفه لها تأكدت بأن الرجل والدها، ولكي تتأكد أكثر اتصلت بوالدتها تسأل عن والدها فأخبرتها بأنه لم يعد منذ أن خرج من البيت وانه قد يكون مسافراً بحثاً عن صفقة تجارية.
أحست الفتاة بالخطر حولها فما كان منها إلاّ أن ذهبت إلى مركز الشرطة طلباً للحماية. وضعت الشرطة خطة لحمايتها من الرجل وكانت الخطة تتركز على تصوير الرجل عندما يأتي ليسأل عنها عن طريق الهاتف النقال وارسال الصورة لهاتف الفتاة لتعرف إن كان والدها أم لا.
في هذا الوقت جاء رجل من الشرطة وجلس مكان الحارس وفي اليوم الثاني عند ساعات الفجر الأولى جاء الرجل يسأل عن الفتاة وهنا قال له الحارس «الشرطي المتخفي» بأن عليه الانتظار دقيقة، حيث أجلس الرجل في الاستقبال وبدأ يصوره دون أن يشعر ثم قام بإرسال الصور إلى الفتاة على هاتفها فأخبرته بأن هذا الرجل هو والدها. في هذا الوقت تسلل ثلاثة من رجال الشرطة إلى غرفة الفتاة وجلسوا مختبئين، بعدها سمح الحارس «الشرطي» للرجل بأن يذهب إلى الفتاة.
عندما دخل الرجل إلى غرفة ابنته بدأت تبكي وتقول له لقد أخطأت فأرجوك أن ترحمني فرد عليها ولماذا لم ترحميني أنت لقد أضعت شرفك وشرفي وأضعت كرامتك وكرامة أسرتك بتصرفاتك هذه وأصبحت تعيشين كفتيات الليل بسبب إنسان تافه أحببتيه، فغدر بك، بقيت تتوسل والدها.
لكن الرجل قال لها لابد من قتلك حتى نستطيع العيش وسط أهلنا وأقاربنا من جديد، ثم أخرج سكيناً وهوى بها على صدر الفتاة لكن الفتاة هربت وبدأت تصرخ وهنا خرج رجال الشرطة من مخبأهم وأمسكوا بالرجل حيث تم اقتياده، إلى المركز. أما الفتاة فقد أصيبت بجرح غائر في ذراعها حيث تم نقلها إلى المستشفى وإسعافها.
زواج ميمون
بعد خمسة أيام تمكنت الفتاة من التعافي لكنها بقيت في المستشفى لمتابعة علاجها في حين كان والدها محتجزاً على ذمة القضية، وفي اليوم السادس بينما كانت الفتاة تجلس على كرسي في حديقة المستشفى إذ بوالدها ومعه، بضعة رجال من الشرطة يأتون إليها خافت الفتاة أن يعاجلها والدها بطعنة في صدرها لكنه بدلاً من ذلك أخذها بين يديه وبدأ يقبلها ويبكي، بكت الفتاة وبكى جميع الحاضرين وهو يقول ها سامحيني يا ابنتي فردت عليه بل أنت سامحني يا والدي.
ثم قال لها هذا الشرطي الذي كان متخفياً في ثياب الحارس يريد الزواج منك فهل توافقين، فقالت هل عرف عني كل شيء فرد الشرطي نعم لقد عرفت كل شيء فهل تقبلين بي زوجاً، فقالت الأمر في يد والدي. خرج الجميع من المستشفى باتجاه المأذون في حين كانت الفتاة على الهاتف تقص لوالدتها كل شيء وتطلب منها الحضور لتكون معها ليلة زفافها.
إعداد : أحمد سلطان
