تفقدت أجزاء جسدها.. حقيبتها الصغيرة.. الحمد لله كل شيء في مكانه، همست لنفسها، حلم سخيف يبدو أنه داهمها خلسةً عن تعرضها للسرقة وهي تدخل فيما يشبه الإغفاءة على المقعد الخشبي قبالة البحر.. وعادت وانتفضت فجأة قائلة لنفسها: هذا يعني أنني انتظرت طويلاً، وأنه تأخر كثيراً في الحضور..

يدلف العشق من نافذة مشرعة على همسات دافئة تطرق تخوم القلب الغض الذي لم يتقن المراوغة.. هل أنت طالبة جديدة في الكلية.. قالها وعيناه تجوسان في ملامح وجه مضمخ بالبراءة..

ـ نعم.. مازلت جديدة.. أنا طالبة جديدة.. وأشاحت بوجهها الملتهب خجلاً ، وبفعل حرارة نظراته الجريئة أيضاً.

هل أفسدُ عليك خلوتك في هذا المكان الحالم بين أشجار الحديقة؟

على الإطلاق أنا أتناول طعام الإفطار قبل الدخول إلى المحاضرة التالية، تفضل..

في الواقع كان «شادي» قد جلس فعلاً قبل أن توجه له الدعوة رسمياً، هذه الدعوة التي لم يعد بحاجة إليها بعد أيام قليلة لأنهما لم يعودا يفترقان..

كمن يعيش في قبو مظلم ذاك الذي لا تسكن مخيلته الأحلام، أو لا يستطيع صنعها.. فأطلق «شادي» و«نورا» أحلامهما طيوراً بيضاء في السماء لعلَ أحدها يستريح على كتفيهما ذات يوم في رحلة الإياب..

تطول الرحلة وتتحول الطيور إلى نقاط بيضاء بعيدة في سماء رمادية.. عائلة «شادي» ترفض هذه العلاقة والمشاعر تزداد تأججاً، الشهادة الجامعية لم تنجح في حصول احدهما على عمل في الوطن كمدخل لحل يجمعهما، فكان القرار بسفر «نورا» إلى الإمارات إلى حيث أشقائها للعمل هناك والبحث عن فرصة له أيضاً..

نظرت إلى ساعتها، وبحسرة شديدة تمتمت: لقد تأخر كثيراً، ولكنه سيأتي بالتأكيد، وقالت الجملة الأخيرة لنفسها بمشاعر مختلطة وهي تتابع بنظرها تلك السيدة التي تتأبط ذراع زوجها وهما يمارسان رياضة المشي على طول الكورنيش..

هل ما فعلناه صحيح يا «نورا» الم يكن واجباً علينا التريث قليلاً؟

بالتأكيد صحيح، ولا تنس أن عائلتي أيضاً لم تكن موافقة على اقتراني بك.

متوتراً بعض الشيء كان يبدو «شادي» خلال الأيام الأخيرة، والإجابة النموذجية له كانت: هي هموم ومتاعب العمل ليس إلا يا حبيبتي، والخيارات أمامها ضيقة فكان عليها أن تقبل ذلك وتهدأ، إلا أن القلب كان يعوي وحيداً في صحراء قاحلة

ـ يبدو أنني لم أعد قادراً على تحمل حالة الجفاء مع الأهل..

كمن تلقت صفعة مفاجئة التفتت «نورا» إليه: وما الحل برأيك؟

هل هذا هو كل ما لديك بعد سبعة أعوام منذ التقينا في الجامعة؟

صدقني أنا أعرف كل ما تحاول إخفاءه عني، ولكن يجب أن تكون متأكداً من أنها لن تحبك أكثر مني، ولن تحبها أكثر مني.. إذا كنت قد أحببتني فعلاً ذات يوم!!

ها هو ولليوم السابع والستين يتخلف عن الحضور، أنتظره على المقعد نفسه كل يوم..

ولا يأتي.. هل أنا متأكدة بأنه سيأتي؟ قالت لنفسها وهي تمسح عن وجهها أثر اللزوجة الناجمة عن الرطوبة، ولم تنس أن تمسح في الوقت ذاته دمعة ساخنة انحدرت على وجنتيها.. وتمتمت وهي تنهض من مكانها: لا لم يكن حلماً.. لم يكن حلماً بالتأكيد فقد تعرضت للسرقة.. سرقة أعوامٍ سبعة من عمري!

خالد اللوباني