لله درك »أبا ميسرة« كانت حياتنا لتستمر، ولكنها بالتأكيد كانت ستكون ناقصة لو لم نلتقيك وأنت تجوس في دروبها.. »لم يسعفني الوقت لأقول أشياء كثيرة«..

كان يعلن ذلك للجميع، مع أنه كان يسرّ لي دوماً بأن العمر قد امتد به طويلاً، والذي كان يؤكد شعوري بأنه ورغم كل أمنياتي له بطول العمر، رجل مرت عليه أحقاب كثيرة استناداً إلى قصصه وحكاياته المسلية التي كان يلعب فيها دوماً دور البطل وتعود في كثير منها إلى أزمان ربما لم يكن قد ولد بعد وقت حدوثها.

ـ بلا مؤاخذة سأبوح لكم بسرّ أرجو أن يبقى بيننا ( وكنا أكثر من 50 شخصاً مجتمعين في منزل أحد الأصدقاء)، ذات يوم أغلقت قناة بنما بوجه الملاحة وكان ذلك خلال إحدى الحروب بعد أن أعيت القيادة البنمية الحيلة في تنفيذ ذلك، حيث قمت بتوجيه قصف المدفعية عبر جهاز( الهوكي توكي!) نحو إحداثيات معينة حيث كان يمر في ذلك الوقت حوت أعرف مواعيده جيداً من خلال (خبرتي في أعالي البحار) يبلغ طوله 700 متر وارتفاعه 167 متراً..

ـ يا أبو ميسرة ارتفاعه 166 متراً فقط.. ردت زوجته أم ميسرة

هنا استشاط »أبو ميسرة « غيظاً وصرخ فيها: وما أدراك أنت بشؤون البحار؟

ـ كيف لا أعرف ووالدي كان (ضابطاً في البحرية الملكية) في الحرب العالمية الثانية!

وهجم عليها بقصد ضربها وإسكاتها، وتدخل أحد الأصدقاء الذين يتميزون بالخبث الشديد لتهدئة الأمور: اهدئي يا »أم ميسرة«، اهدأ يا أبا ميسرة لا تختلفوا، بلا متر ، بلا مترين، بلا عشرين متراً!!وكانت أياما طوالاً تلك التي قضيناها لإصلاح ذات البين، عادوا .. ولكن على مضض.

حيث لم ينس أبو ميسرة تكذيب زوجته له (هكذا كان يعلن للجميع)، ولكننا كثيراً ما كنا نشاهدهما وهو يتأبطان ذراع بعضهما كعاشقين يقرآن الكلمات الأولى في كتاب الحب.

لا تحتاج للكثير من الجهد لاستدراج »أبي ميسرة« للولوج إلى تفاصيل أي موضوع تريد، فقط ابدأ برواية أي قصة ليأخذ هو زمام المبادرة ويسترسل دون توقف أو تأتأة في رواية حكاية يكون هو بطلها كالعادة، ومن وحي القصة التي كنت سترويها، وتتشظى القصص خلال ذلك وتمضي الساعات كأنها ثواني.

ونغادر جميعاً وعلى الوجوه ابتسامة، فيما تعلو وجه »أبي ميسرة« نشوة البطولة بعدما صال وجال في بقاع الأرض مدافعاً عن الضعفاء، ناصراً للمظلومين، مقاتلاً للحيوانات المفترسة، مجترحاً معجزات لا تحصى ينسى أنه فعلها بعد حين.في ذلك وكنت قد استكملت الاستعدادات كافة لمشاهدة مباراة في كرة القدم طرفاها البرازيل وكولومبيا، وما هي إلا لحظات حتى قرع جرس الباب معلناً قدوم »أبي ميسرة«.

الأمر الذي أصابني بالامتعاض كونه سيشغلني عن مشاهدة المباراة، وحاولت ومنذ البداية أن أشعره بأنني في حالة لا تسمح لي بسماع أي شيء لأن مباراة للبرازيل ستجري بعد لحظات، وما كان منه إلا أن تنهد قائلاً: الله ..الله عندما كنت لاعب كرة قدم في نادي »بايرن ميونيخ« (الإنجليزي).

هنا أدركت أن كل محاولاتي للهروب من حديثه ستبوء بالفشل، فأقفلت التلفاز، وباشر هو بالحديث عن تجربته الكروية التي انتهت بعد منتصف الليل بقليل وهو يقاتل الأمريكان في »فييتنام«.لله درك »«أبا ميسرة« كم كنت أتمنى أن يكون رحيلك مجرد كذبة.. إضافية.

خالد اللوباني